نظريا شكلت الإذاعة الخاصة في المغرب إضافة إلى المشهد الإعلامي، مما جعل الإذاعة الوطنية بالدرجة الأولى لم تعد تحتكر هذه الخدمة لوحدها، من حيث مقاربة المواضيع التي تشغل بال المجتمع المغربي، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو ثقافية أو تربوية…كما نجد أن هذا الانفتاح الذي اختاره المغرب، جاء نتيجة نضالات قواه الحية والمجتمع المغربي بكل فئاته من خلال نضالات متواصلة عبر عقود من الزمن، والذي كانت دائما تجابه بالرفض والمجابهة من طرف السلطة السياسية الحاكمة، بل من أكبر هرم في السلطة في البلاد، على اعتبار أن هذا المجال كان بحق يعتبر مجالا رئيسيا ودعامة حقيقية للحكم والتحكم كذلك، وبه أيضا تتم صناعة الرأي العام بل توجيهه وتكييفه كما يريد الحاكمون. لذا، كان الإعلام لصيقا بوزارة الداخلية التي كانت تسمى بأم الوزارات، وهناك حكايات حقيقية تفيد أن الحاكمين كانوا يستشيطون غضبا حين يفتح معهم أمر تحرير هذا القطاع، لكن بعد هذا التحرير، كان المأمول أن تجيب هذه المحطات الإذاعية عن هذه الحاجة المجتمعية وعن هذه الأسئلة التي دائما تتجدد، لكن واقع الحال وما يعرفه المجتمع كواقع وحقيقة يقول عكس ذلك، إذ كثيرا ما نجد البرامج بهذه الإذاعات الخاصة تتحكم فيها رؤية “مول الشكارة”، مما جعلها تكون بعيدة كل البعد عن هذا الرهان المجتمعي، إلى درجة أن بعض الإذاعات أصبحت لها هوية خاصة تتكلم بلسان أصحابها وتخدم أجندتهم السياسية، وبالتالي زاغت عن الموضوعية المفروض أن تكون إحدى أهم ركائزها، وفق دفتر التحملات، ووفق الحاجة التي خلقت من أجلها.
المتتبع للعديد من المحطات الإذاعية، يلاحظ هذا المنحنى بشكل جلي، لكن الأخطر أيضا في هذا الباب، أنه عوض أن تهذب بعض الإذاعات الخاصة ذوق المستمع والمتلقي، نجدها تكرس السطحية وأعرافا جديدة لا ترتبط برسالة الإعلام الحقيقية، كما هو متعارف عليها كونيا وعدم تبني الحياد المفروض في هذه الإذاعات، مما يجعلها فعلا تلعب الدور الايجابي في تقديم خدمة عمومية للمستمع، وإن كانت هذه المحطات خاصة، ولا نقول مستقلة، كما أن بعض المنشطين لم يتوانوا في استعمال مصطلحات لا تليق بالمستمع وبهذه المهنة، إضافة إلى العديد من حالات الشرود، خاصة فيما يتعلق بالتعبئة في هذا الباب من أجل تصفية الحسابات سواء السياسية أو الشخصية، والنماذج هنا كثيرة، مما دفع بالهاكا إلى التدخل في أكثر من مرة.
البحث عن المتابعة ورفع من نسبها من طرف مالكي هذه الإذاعات، جعلهم يطلقون العنان وإعطاء الضوء الأخضر لبعض المنشطين لكي يطلقوا هم الآخرون ألسنتهم بدون حسيب أو رقيب، كما أن بعض هذه الإذاعات لم تتردد في ضم برامج قيل إنها طبية الى شبكة برامجها. وتقدم خدمة للمجتمع، لكن كما يقول المغاربة” جا يكحل ليها عماها” والنموذج الواضح هنا، تلك البرامج المرتبطة بالتداوي بالأعشاب، حيث ظهر مختصون في هذا الباب وأعطوا لأنفسهم الحق في تقديم الوصفات للمستمعين للتطبيب، رغم أن هذا غير قانوني وغير طبي بالمرة، مما جعل العديد من المستمعين تزداد معاناتهم وتتفاقم أمراضهم بمجرد أن تناولوا هذه الأعشاب، في حين ظلت الحكومة وكل القطاعات المرتبطة بالموضوع تتفرج، ولا تحرك ساكنا. أمام هذا الانزلاق الخطير، والذي تجاوز حدود استعمال خدمة أجندات سياسية معينة إلى ضرب صحة المواطنين والتسبب في كوارث حقيقية،حان الوقت الآن بكل جدية تقييم عمل هذه المحطات الإذاعية الخاصة بكل الموضوعية اللازمة وأيضا بكل الصرامة المفروضة اتباعها، لأن الأمر هنا يرتبط بمجال حيوي وحساس جدا للغاية، فهو يتعلق بخلق الأذواق وصناعة الرأي العام الخ.
هذا المطلب تفرضه الضرورة ويفرضه المنطق ارتباطا كما هو معروف بخدمة المجتمع، وليس هناك أي مبرر للمالكين كي يتصرفوا في هذا المجال وفق الأهواء والمصالح الخاصة، فالرأسمال هنا ليس وحده المحدد، بقدر ما المحدد هو عدم الخروج عن الأهداف والغايات التي جاء من أجلها الانفتاح الذي ناضلت من أجله القوى الوطنية الحية في البلاد وفي مقدمتهم أهل الإعلام .
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

