Close Menu
أرشيف الأخبار
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام
    أرشيف الأخبار
    الاتصال بنا
    أرشيف الأخبار
    الرئيسية » الأبعاد التشكيلية في رواية «جيرترود» لحسن نجمي 2/2

    الأبعاد التشكيلية في رواية «جيرترود» لحسن نجمي 2/2

    بواسطة دابا ماروك8 يناير، 20167 دقائق
    فيسبوك تويتر بينتيريست لينكدإن Tumblr البريد الإلكتروني
    شاركها
    فيسبوك تويتر لينكدإن بينتيريست البريد الإلكتروني

    توجد هندسة في دندنة الأوتار، كما توجد
    موسيقى في فراغات الأشكال الكروية
    فيثاغورس
    الرسم اللغوي القائم على الوصف التصويري description picturale، يُعَدُّ في الأصل تطويعا لعنصر الخط la ligne وهو يجسد التقاسيم والتفاصيل التي تنفتح على العناصر الأخرى (الشكل la forme، الحجم le volume، اللون، المادَّة la matière) لتوصيف الشخوص، كما هو الأمر في إبراز بروفايل محمد الطنجاوي: «لكم كان يصر على إخفاء سنوات عمره التي كانت تخطت السبعين، وربما أكثر، خلف مظهر شاب، واعتداد بالقوة، وتجميع لما تبقى من شعر خفيف مسترسل إلى الوراء في شكل ثُنَّة حصان، وارتداء للبدلات المخملية
    البيضاء
    أو الأقمصة الصيفية الملونة، وإيثار للقبعات الرفيعة، واستعمال للنَّظَّارات الطبية الأكثر التزاما بوتيرة التحولات، ووضعٍ للفراشات وربطات العنق الحريرية ذات الألوان الزاهية اللَّمَّاعة، وتأَبُّطٍ دائم لمحفظة جلدية، واستخدام لأقلام مُذَهَّبةٍ (…)»(15).
    في مقابل هذه التشخيصية المُحاكية لواقعية تعبيرية، يتسامى التخييل البيوغرافي لاسترجاع واستنباط تعاريج “الصور الباطنية المحجوبة” لدى محمد الذي أصبح إسم بيكاسو يعني له الكثير، “فمنذ أن جاء إلى شقة جيرترود وهو يسمع بهذا الإسم مترددا على الشفاه (…) وطبعا، فمعظم الشقة كان يغطيها بيكاسو. وهناك فوق المدفأة كان يعلو البورتريه المعلوم لبيكاسو، ذاك الذي لا يكاد يمر يوم جديد بدون أن تتكلم عنه جيرترود، هناك في الأعلى، وكأنه مرآة تتطلع إليها الآنسة لترى روحها لا وجهها فقط” (16).
    لذلك كان من الطبيعي أن يخضع محمد لهذه الهيمنة التي لا تُقاوَم، ليبقى لقاؤه مع بيكاسو “رأسماله الوحيد” (17)، بالرغم من صداقاته لماتيس وبراك ودولوناي وخوان غري وموديلياني، وتعرفه على أبولينير ورفيردي وهيمينغواي وأناييس نِنْ وسكوت فيتْزِجِرالْدْ وغيرهم كثيرون.
    بناءً على ما سبق، تتضح محورية البورتريه في سيرورة السرد، ليس لكونه يعكس صورة جيرترود فقط، بل لأنه يحمل توقيع بيكاسو الذي تبوَّأ مكانة بطولية منافسة للأبطال الرئِيسيِّين في الرواية، بقوته الاعتبارية في تاريخ الفن المعاصر، بوصفه أحد أبرز مؤسسي المدرسة التكعيبية (نشأت بين 1907و1914 ) رفقة جورج براك وروبير دولوني وفرناند ليجيه وآخرين، وبحكم علاقته الفعلية مع البطلة
    الأمريكية
    التي كتبت عن أعماله وقدمته لكبريات صالات العرض، إذ “لم يكن بيكاسو يعتمد على كفاحه فحسب، بل كان يعتمد كل الاعتماد على ما كانت تكتبه جيرترود شتاين في وصف أعماله وتفسير مضمونها” (18).
    لذات الأهمية، اختار المؤلف بورتريه جيرترود لطبعه على الغلاف، إيمانا منه بنجاعة توظيفه كنص مرئي ينْتَظِم ضمن مكونات الرواية الفاعلة في القراءة، وليس كعتبة فقط، على غرار عدد من الروايات الحديثة التي أمست تستثمر صور اللوحات في الصفحات الداخلية (19). علاوة على حسه البصري، وجب التأكيد على وعيه الحاد بالجانب التوثيقي (ثبت الأسماء والمقولات بأصولها اللغوية، وأصول عناوين الأعمال الفنية المذكورة وتواريخ إنجازها…)، خاصة وأن عمله يقدم مادة روائية بقدر ما يقدم مادة تُعْنى بالثقافة الفنية التي ما زلنا في حاجة إليها في العالم العربي، وذلك في حلة إبداعية رائقة، قائمة على البحث والتمحيص والتحقيق الذي لا يكتفي بالمصادر الورقية والإلكترونية، بل على التحقيق الميداني عبر رحلاته لزيارة المتاحف العالمية التي قادته إلى متحف الميتروبُّليتان بنيويورك حيث يُحفَظُ بورتريه “جيرترود ستاين” لبيكاسو المُنجز بين 1905 و1907. دون إغفال زيارته لشقة البطلة
    الأمريكية
    بباريس
    (الشقة 27، زنقة دو فْلوريس)، والمنطبعة عبر الصورة المنشورة على ظهر الغلاف الذي تحول إلى سند إيكونوغرافي يُذَكّي البعد الواقعي للكتابة ويعضده بمصداقية بصرية فاعلة في التلقي والتذوق على حد سواء. هذه الاختيارات الوثائقية النبيهة، أمست محقَّقة أيضا بفضل الفنان المغربي عبد الله الحريري الذي صمَّم الغلاف بإبداعية موَفَّقَة تستجيب للأناقة التي تَصَوَّرها الكاتب لإخراج كتابه.
    هذا التجميع الجبار للوثائق والمعلومات والمعارف والمسافات الزمانية والمكانية، يترجم مدى الحد الذي أصبح فيه المؤلف مملوكا بأحداث الرواية وناسها، وقد صدق الكاتب في تشبيه نفسه “ببطل سينمائي يمثل دورا مهما ويرفض في عناء أن يتخلص من الشخصية التي جسدها” (20). بينما الحال في الأصل، جعل منه ممثلا ومخرجا في آن. ذاك المخرج الشامل الذي يهندس توزيع الأدوار والحوارات ويُشْحِن الأجواء بالانفعالات والعواطف والذاكرات والمحسوسات المجردة منها والمرئية التي دعمها بتقنيات البناء السينمائي، من خلال استحضار مدينة
    طنجة
    الدولية ووصف طريقة وصول البطلة وصديقتها إلى ميناء
    المدينة
    والاشتغال على الشخصيات والأمكنة، وكذلك من خلال الفصل الخاص بمصائر كل شخصية في الرواية” كما صرح حسن نجمي (21). لكن اعتماد هذه التقنيات السينمائية لم تمنعه من استدراج وكشف المرئيات المرتبطة بالفنون التشكيلية عبر خبراته الكتابية المتنوعة التي انصهرت فيما بينها لخدمة تقنية الوصف، باعتبارها من الأعمدة الأساس في الكتابة الروائية
    الجديدة
    ، ذلك أن “اهتمام الوصف بالأشياء ورصد معالمها بالدقة المتناهية هو انتقال بالنص الروائي إلى حيز المحسوس، الذي يُدرَك عن طريق الحواس، وأولها الإدراك البصري لهذه الأشياء” (22).
    من وِجهَة أخرى، لا يتخذ الوصف قيمته بناءً على الدقة المنسجمة مع الإيقاع المتناهي للسرد فحسب، بل أيضا من خلال ما تَعْرِضُه الرواية من ثقافة الإبصار والنظر إلى الأشياء والقِطَع الفنية خاصة، استنادا إلى مرجعيات تاريخ وفلسفة وأدبيات الفن. من ثمة، فإن الحديث عن بورتريه “جيرترود” لبيكاسو مثلا، يصبح بلا معنى ما لم يتم الوقوف على إرهاصات التكعيبية الأولى التي دفعت الفنان لرسمه على ذلك النحو، وكذا الإحاطة بالخصائص والمسوغات التشكيلية التي ارتكزت عليها الجمالية التكعيبية كما جاء في الرواية. بذلك نجح الروائي في تمرير خطابات معرفية وفكرية داخل كتابة إبداعية تروم ترويض العين: “إن العين ليست مجرد عضو عاكس لما تراه أو حتى لما تعرفه، وإنما هي أداة تشكيل” (ماتيس مخاطبا محمد) (23)، كما أن “النظر الذي لدينا ليس عاديا أو محايدا، وإنما هو في الحقيقة خروج ذهننا إلى العراء” (جيرترود مخاطبة محمد) (24).
    بهذا الإنجاز الروائي الفخم، استطاع الكاتب أن يضعنا بين صُنَّاع الضوء في قلب
    باريس
    ، باستثماره الإبداعي الجيد لمعارفه الفنية التي راكمها منذ ثمانينيات القرن الماضي(25)، عبر متابعاته وكتاباته النقدية الخاصة بالحقل التشكيلي، ومن بينها النصوص التي جمعها في كتابه “الشاعر والتجربة” (دار الثقافة،
    البيضاء
    ،1999) ضمن باب “التخاطبات” الذي يضم العديد من النصوص المتعلقة بالعديد من التجارب التشكيلية والفوتوغرافية المغربية، مع مقاربة العلاقة بين الشعري والتشكيلي. كما اعتمد ثقافته البصرية التي أغناها عبر صداقاته بالفنانين وعلى رأسهم الراحل محمد القاسمي الذي شاركه في المؤلف الشعري التصويري “الرياح البنية” (1993)، وعبد القادر لعرج الذي شاركه في “مفتاح
    غرناطة
    ” (بورت فوليو) (2004).
    في المحصلة، يمكن نعت “جيرترود” برواية البعد البصري أو رواية المعارف الفنية التي ألَّفها حسن نجمي بطاقة هائلة، يتداخل فيها الشعري والتشكيلي والمعماري والسينمائي والصِّحَفي (تقنيات التحقيق والبورتريه والبروفايل )، حيث الكل يفعل في توريق السرد ومنحه تلك الجمالية المشهدية التي تُقْلِع من المحلي لتنفتح على العالم وترفع نَصْرَها للثقافات الكونية الراقية.
    هوامش
    يتعلق الأمر في الأصل بالمداخلة التي ساهمت بها في “لقاء الكتابة والتشكيل- يد تصافح أخرى”، نظمته جمعية ملتقى الثقافات والفنون، الخزانة الوسائطية بالمحمدية، 05 يناير 2013
    15- حسن نجمي، جيرترود، ، ص 40
    16- Ibid، ص 138
    17- Ibid، ص 162
    18- محمد صدقي الجباخنجي، فنون التصوير المعاصرة، المكتبة الثقافية، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دار القلم،
    القاهرة
    ، 1961، ص 45
    – بخلاف هذا الرأي، يقول ولاس فاولي: “لقد حاول كثير من أصدقاء بيكاسو الأقربين أن يكتبوا عنه شخصيا، أمثال جيرترود شتاين، وأبولينر، وماكس جاكوب، ووأندريه سالمون، وكوكتو، وموريس رينال، فلم ينجح أي منهم في أن يكشف عما يتعدى النوادر والأقوال والصور الخيالية الغامضة المعالم”.
    – ولاس فاولي، عصر السريالية، ترجمة: خالدة سعيد، دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر،
    دمشق
    ، طبعة جديدة منقحة، 2011، ص 209
    19- أنظر على سبيل المثال: ماريو بارغاس يوسا، امتداح الخالة، ترجمة: صالح علماني، منشورات المدى للثقافة والنشر،
    دمشق
    ، ط1، 1999
    20- ليلى الوادي، بيان اليوم، 07-02-2011
    21- Ibid
    22- مهدي صلاح الجويدي، التشكيل المرئي في النص الروائي الجديد، عالم الكتب الحديث، إربد-
    الأردن
    ، ط1، 2012، ص 75
    23- حسن نجمي، جيرترود، Op-Cit، ص 190
    24- Ibid، ص 190
    25- أنظر حسن نجمي، “أسئلة الفضاء التشكيلي بالمغرب”، عنوان الورقة التي ساهم بها في الأيام التشكيلية الأولى التي نظمتها كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمكناس أيام 8-9-10 دجنبر 1987، منشورة في الملحق الثقافي لجريدة الاتحاد الأشتراكي، 22 ماي 1988
    – من بين كتاباته الأخيرة، أنظر نصه التقديمي “الفوتوغرافي المشاء”، كاتالوغ: اقتفاء الأثر، خاص بمعرض الفنان الفوتوغرافي جعفر عاقيل، وزارة الثقافة، رواق محمد الفاسي بالرباط، من 23 نونبر إلى10 دجنبر 2011
    (*) فنان تشكيلي وناقد

    المصدر : الاتحاد الاشتراكي

    شارك هذا الموضوع:

    • شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
    • المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
    • المشاركة على WhatsApp (فتح في نافذة جديدة) WhatsApp
    • اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
    • المشاركة على LinkedIn (فتح في نافذة جديدة) LinkedIn
    • إرسال رابط بالبريد الإلكتروني إلى صديق (فتح في نافذة جديدة) البريد الإلكتروني

    مقالات ذات صلة

    أخبار بورتريه بيكاسو سرد موسيقى هندسة
    شاركها. فيسبوك تويتر بينتيريست لينكدإن Tumblr البريد الإلكتروني
    دابا ماروك
    • موقع الويب

    المقالات ذات الصلة

    قانون المالية 2026.. الحكومة تقبل 72 تعديلا بمجلس المستشارين

    4 ديسمبر، 2025

    هذا موعد الافتتاح الرسمي لحديقة عين السبع بالدار البيضاء

    4 ديسمبر، 2025

    خط جوي جديد ومباشر يربط الدار البيضاء بلوس أنجلوس

    4 ديسمبر، 2025
    اترك تعليقاً إلغاء الرد

    بالأرقام: تأثير الأمطار على المحاصيل وحقينات السدود والمالية العامة في المغرب

    26 أكتوبر، 2026

    حموشي يشارك في الرياض في الاجتماع السنوي للمجلس الأعلى لجامعة نايف العربية للعلوم الأمنية: تعزيز التعاون الأمني في العالم العربي

    26 أكتوبر، 2026

    المستشفى الجهوي ببني ملال: مشروع طموح يحدث ثورة في الخدمات الصحية بالمدينة

    26 أكتوبر، 2026

    طعنان أمام المحكمة الدستورية قد يهددان مقعد مصطفى لخصم في البرلمان المغربي

    26 أكتوبر، 2026

    شبهات استغلال القاصرين في دار «الوفاء».. محكمة فاس تؤجل محاكمة 18 متهماً إلى 30 نونبر المقبل

    26 أكتوبر، 2026

    شركة Baleària تدشن مرحلة جديدة في مشروع الربط البحري الكهربائي بين المغرب وإسبانيا

    26 أكتوبر، 2026

    الجزائر: زيارة خاطفة لمستشار تبون إلى جنيف تكشف صراع النفوذ بين المرادية والجيش

    26 أكتوبر، 2026

    المهرجان الوطني لفنون أحواش في ورزازات يجذب 80 ألف زائر من عشاق الثقافة المغربية

    26 أكتوبر، 2026

    طالع السعود الأطلسي: الفرح الجماعي للمغاربة.. يشعّ حيوية وجمالاً دائماً

    26 أكتوبر، 2026

    الذكاء الاصطناعي والملاحة وصناعة المحتوى.. جامعة وجدة تطلق تخصصات جديدة لمواكبة التحولات الرقمية بالمغرب

    26 أكتوبر، 2026

    ندوة وطنية تساهم في إحياء مفهوم الهامش في الأدب المغربي

    26 أكتوبر، 2026

    حديقة المرابطين بمراكش.. من الفوضى إلى مساحات خضراء تعيد إحياء الدور البيئي والاجتماعي

    26 أكتوبر، 2026

    توقعات الطقس لليوم الاثنين: ماذا ينتظرنا في سماء المغرب؟

    26 أكتوبر، 2026

    أمن مراكش يعتقل شخصا مشتبها به في قضية بيع المخدرات بحي المنارة

    26 أكتوبر، 2026

    شيشاوة: توقيف شاب للاشتباه في حيازته وترويج المخدرات والمواد المخدرة

    26 أكتوبر، 2026

    شوارع وجدة: بين ارتياح المواطنين لتحسينات البنية التحتية وشكواهم من تأخر الأشغال

    26 أكتوبر، 2026

    أمن مراكش يضبط مروجًا للكوكايين بعد مراقبة مستمرة ومعركة ضد المخدرات

    26 أكتوبر، 2026

    اعتقال شاب في الثلاثينات بتهمة المشاركة في أحداث المواجهة المسلحة بإمزورن بالحسيمة

    25 أكتوبر، 2026

    مومياء تُحوّل وجه المدينة العتيقة في طنجة إلى تجسيد تاريخي فريد

    25 أكتوبر، 2026

    ملتقى جرسيف العربي للفن والشعر.. سهرة تحتفي بسحر الكلمة وتنوع الإبداعات المغربية

    25 أكتوبر، 2026
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام بينتيريست
    © 2026 داباماروك .

    اكتب كلمة البحث ثم اضغط على زر Enter