أصدرت الهيئة العليا للإتصال السمعي البصري قرارات تأديبية خفيفة في وزن أقل من الريشة ضد متعهدين عموميين وخواص بعدما اعتبرت أنهم اقترفوا مخالفات استوجبت إصدار هذه القرارات التي لم تتجاوز سقف الإنذار. وبصفة عامة فإن هذه المؤسسة تصمت طويلا وحينما تخرج إلى العلن فإنه تفعل بإعلان نفس القرارات تقريبا.
نعود إلى موضوع القرارت التي تستوجب تعليقا نعتبره غاية في الأهمية، ذلك أن الهيئة ربما تختار المتعهدين الذين تحرص على إنذارهم بيد أنها تترك آخرين وراء ظهرها لا تهتم بما يقترفونه من مخالفات خطيرة، وربما أن أجهزة رصد الهيئة لم تنتبه إلى ما اقترفته إذاعة خاصة من خلال بثها لبرنامج إذاعي اقترب كثيرا من البورنوغرافيا، و الأدهى من ذلك أن منشط تلك الحلقة من البرنامج لم يتوان في القول “لي ما عجبوشي هذا البرنامج يشد إذاعة محمد السادس للقرآن” ثم إن الهيئة بررت قراراتها الأخيرة بالقول “إن القناة الثانية بثت بلاغا لوزارة الداخلية حول تفكيك خلية جهادية وسجلت الهيئة أنه جاء على لسان الصحافي أن زعيم الخلية يتوفر على خبرة قتالية ضمن التنظيمات الإرهابية. كما بثت القناة تغطية حول تفكيك الدرك الملكي لشبكة متخصصة في سرقة الدراجات النارية والسيارات وتم نعت الأشخاص الموقوفين بالعصابة الإجرامية على لسان قائد سرية الدرك الملكي بأرفود. وربورتاجا يصف المتهمين بالإعتداء على اللاعبين والطاقم التقني لنادي الوداد البيضاوي بالجناة “واعتبرت الهيئة أن القناة لم تحترم دفتر التحملات ولم تحترم قرينة البراءة وحرمة الحياة الخاصة وسرية هوية المعنيين. وفي مجملها تعتبر تبريرات مقنعة، لكن الهيئة لم تحدد لنا بعد موقفها من بث القناة الأولى والقناة الثانية ورزمة من الإذاعات من الوطنية والجهوية والخاصة وفي نشرات رئيسية ولمرات متعددة بلاغا للجنة المركزية للإشراف على الإنتخابات التي جرت قبل أربعة أشهر من الآن اتهمت فيه مواطنين بتهم ثقيلة تتعلق بالرشوة واستمالة الناخبين وذكرت أسماءهم ومدن سكناهم. لم تخبرنا الهيئة العليا للإتصال السمعي البصري ما إذا كانت نفس المخالفات قد اقترفت وبشكل أخطر هذه المرة خصوصا ما يتعلق بقرينة البراءة وحرمة الحياة الخاصة وسرية هوية المعنيين وهي المبادئ والشروط التي بررت بها الهيئة ما اقترفه متعهدون عموميون وخواص في حق أشخاص اتهموا بجرائم الإرهاب والسرقة والإعتداء. ونفيد الهيئة في هذا الشأن أن القضاء حسم في كثير من الملفات التي تعرض فيها مواطنون إلى التشهير وبرأ كثيرا منهم كما هو الشأن بالنسبة لملفات طنجة وسطات والحسيمة والجديدة بيد أن قضاة التحقيق برأوا باقي المتابعين في أكادير وفاس من جناية الرشوة وحول الملفات كلها إلى القضاء الجنحي. وفي هذه القرارات القضائية إدانة واضحة لما اقترفته اللجنة الحكومية ولما ارتكبته كثير من وسائل الإعلام خصوصا العمومية في حق مواطنين اتضح الآن أن كثيرا منهم أبرياء وأن آخرين لم يقترفوا جنايات وأن حتى الجنح ليست مؤكدة لحد الآن. أخاف كل الخوف أن يرد البعض بالقول إن الهيئة أصدرت قرارات في ملفات قديمة وأن هذا الملف قد يكون قيد الدراسة والتحميص. فإذا كانت مؤسسة دستورية خصها المشرع بصلاحيات مهمة ووضعت رهن إشارتها إمكانيات كبيرة لم تتمكن من الحسم في مخالفات خطيرة اقترفت منذ أربعة أشهر فإنه من الأحسن إعلان إفلاس هذه المؤسسة. يبدو أن لبنا أبيدار ومجموعة أشخاص متهمين بسرقة دراجات نارية أهم بكثير من المساهمة في تقويم الممارسة السياسية والإنتخابية في بلادنا، ونتمنى أن يكون سقف خلفيات ذلك في هذه الحدود لأننا بعد ذلك يحق للرأي العام أن يتحدث عن الإنتقائية في تعاطي الهيئة مع شؤون الإعلام المرئي والمسموع وأنها تتجنب الإقتراب من القضايا السياسية؟ لا نريد لهذه المؤسسة الدستورية الوازنة أن تتحول إلى غرفة تسجيل الإنذارات في قضايا مختلفة، بل الأمل كل الأمل أن تقوم بدورها كاملا كسلطة تراقب سريان تفاصيل الإعلام المرئي والمسموع في حدود الإجبار على احترام الأخلاقيات و مقتضيات دفاتر التحملات. وإلا سيفقد المغاربة ثقتهم فيها وتتحول إلى مثل كثير من المؤسسات التي أضحى عدم وجودها أهم وأنفع للبلاد والعباد من وجودها.
المصدر: عبد الله البقالي نشر في العلم

