Close Menu
أرشيف الأخبار
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام
    أرشيف الأخبار
    الاتصال بنا
    أرشيف الأخبار
    الرئيسية » الشعر والتصوير أو الإقامة في سرير الخيال

    الشعر والتصوير أو الإقامة في سرير الخيال

    بواسطة دابا ماروك2 أكتوبر، 20157 دقائق
    فيسبوك تويتر بينتيريست لينكدإن Tumblr البريد الإلكتروني
    شاركها
    فيسبوك تويتر لينكدإن بينتيريست البريد الإلكتروني

    يخيل إلي، أحيانا، وأنا أحاول مقاربة العلاقة القائمة بين الكتابة والتصوير، كممارستين إبداعيتين تنطقان من ذات واحدة، أنني لا أقوم، في الحقيقة، سوى بإعادة استحضار زمن آخر سابق، ذلك الزمن الذي لم يكن فيه التشكيك في التعاطي مع هذين الحقلين الجماليين أو سواهما، بالنسبة للمبدع الواحد، يثير أية غرابة أو استنكار، مادامت الغاية من وراء تجريب القيام بذلك على أحسن وجه، هي تحقيق نوع من الإشباع الجمالي، وفهم كل ما هو ميتافيزيقي ومتعال بطريقة جيدة ومتجاورة.

    من هذا المنظور، كان قدماء الفلاسفة منشغلين بوضع اليد على مفهوم التذوق الفني ومدى تحققه في مختلف التعبيرات الجمالية التي كان قد أسس لها إنسان تلك المراحل القديمة، وعلاقة ذلك بالعالم الدنيوي المحسوس أو بالعالم المطلق، أكثر من اهتمامهم بما يمكن اعتباره إشكالات جانبية، من قبيل الدعوة إلى التخصص، إن في الكوميديا أو التاريخ أو المأساة والرثاء، أو الموسيقى والرقص والشعر والغناء والنحت والتصوير وما إلى ذلك، مما كان يعتبره أفلاطون إلهاما مستمدا من ربات الفنون.
    ولعل هذا الأمر، خاصة حين يتم الحديث عن المزاوجة بين كتابة الشعر والتصوير، هو ما جعل أرسطو يؤكد بشأنه على ضرورة تمثل الرسم باعتباره شكلا شعريا، مثلما هو الشأن بالنسبة إلى فنون النحت والرقص والموسيقى، قبل أن يؤكد غيره على كون الشعر ينبغي اعتباره رسما ناطقا مقابل الرسم الذي يعتبر شعرا صامتا، مما يبيح إمكانية تعاطي الممارستين معا، إذا ما تحصل للمعني بذلك قدر من الإجادة والميول الواعي بشرط الإبداع. وإذن، نحن أمام تمثل متقدم ما فتئت البشرية، مع تواتر الاختراعات وتقدم الصناعات وانحسار الجغرافيات، تجتهد في إعادة تمثله، كاكتشاف جديد، بعدما أرست حدودا وقوانين باعدت بين الأجناس، فيما يشبه البلقنة الفنية، تحت طائلة ما سمي ب ” صفاء الأجناس “.
    وأنا أفكر في هذا الأمر، تحضرني أسئلة كثيرة بخصوص العلاقة التي يمكن أن تتأسس من رحم هذه العلاقة، على الأقل بين الشعري والتصويري، حتى لا أقول الكتابة والتشكيل بصفة عامة. فإذا كان الشعر ينشئ عوالمه ودواله في بحر اللغة، والتصوير يسخر كيمياء اللون والمادة والفراغ والكتل والضوء والعتمة… في صناعة أشكاله وتثبيت وجوده، فما هي أوجه القرابة بينهما؟ هل يتعلق الأمر بانصهار أفقهما الجمالي المشترك، أم أنهما يشكلان قارتين منفصلتين تتقابلان وتتجاوران على خلفية تخييلية مشتركة؟ ما هي حدود الشعري والتصويري، بغض النظر عن شرط الآلات التقنية والجمالية المسخرة لتحقيق كل واحد منهما؟ هل ما تزال الضرورة قائمة للفصل بينهما تحت ذريعة صفاء النوع، أم أن في الأمر غير قليل من ابتسار للخيال واختزال لإمكانات الذات المبدعة، لا سيما أننا نعيش في عالم بات بإمكان أي واحد منا استدعاءه إلى حاسوبه الشخصي أينما شاء ووقتما شاء؟ ثم، ألا يمكن اعتبار الحديث عن مثل هذه الإشكالات في عالمنا اليوم، أي تنويع المقاربات الإبداعية لدى الذات المبدعة الواحدة، نوع من الحنين إلى روح ذلك المبدع الموسوعي الذي كان يجسده عقل وخيال البشرية الأول: أي الفيلسوف، الفنان، الشاعر، الموسيقي، النحات، الفلكي، الرياضي… وسواه؟
    وحتى لا نبتعد كثيرا عن سؤال الشعري – التصويري، أظن أننا بحاجة اليوم إلى إعادة تمثل كلتا الأداتين التعبيريتين بغير قليل من الأريحية المبدعة، وفق مشتركهما وشرطهما التخييلي، ووفق ما يجسر المسافة النفسية المتخيلة بينهما، بما يجعلنا نكتب قصيدة تستثمر اللون المعبر والحركة العفوية وثنائية الضوء والعتمة وتدبير السطح، بما هو خزان لممكنات الفراغ والامتلاء، مقابل إنجاز لوحة تستدعي كيمياء اللغة الغميسة وتجاور تضاد مفرداتها، وفق الإيقاعات التي تمنحنا إياها لغة الشعر، مادام العمل الفني، والشعر عمل فني، حسب الفيلسوف الفرنسي الإشكالي ريجيس دوبري ” ليس تركيب أشكال، وتنظيم مساحات، وتنسيق ألوان فقط، لكنه تنقيح للذاكرة بالأساس”.
    إن الشعر، كما التصوير، صناعة إنسانية نبيلة. ورغم أن كل منهما يستندان على خلفية معرفية وجمالية وعلى تاريخ شخصي يتأسس على المكابدات والمشاهدات والإنصات العميق لروح العصر، في أفق تكريس رؤية خاصة للعالم وللإنسان، إلا أنهما يبقيان، مع ذلك، بحاجة إلى مزيد من الحرية والخبرة والتجربة. وقد يحدث أن يغمرنا، من حين لآخر، إحساس بأننا دون مستوى التعبير عن مشاعرنا وقلقنا وعن رؤانا، بما يكفي من العمق والوضوح والجمالية، إما لأننا نكون عرضة لقصور في تمثل الأشياء والعالم، أو لكون آلاتنا التعبيرية تصطدم أحيانا، لهذا السبب أو ذاك، بقصور ممكناتها. وفي لحظة الانحباس هذه، نحاول أن نعطي لباقي حواسنا فرصة التعبير عن مقدراتها؛ نلمس، نشم، نرى أو ننصت، نقوم بكل ذلك، لإعادة ترتيب شتاتنا وفق إيقاعات مختلفة ومنتجة.
    شخصيا، أصاب، من حين لآخر، بمثل هذا الفراغ أو العسر. ولحسن حظي أنني أزعم الإقامة فوق سريرين: سرير الشعر وسرير التصوير، وأحاول – قدر الخبرة والمعرفة والاجتهاد – أن أنتج فيهما بروح متواضعة ومتعلمة. بهذا المعنى، أقوم بمعالجة ذائقتي الفنية وأضاعف خلاياها، كما أحاول، قدر الإمكان، فهم الجمال وتمثلَ فعل مسايرة مختلف النداءات التي تعطي للذات معنى إضافيا، دون الاقتصار على تطويع آلة واحدة قد تصاب بالصدأ كلما أهملنا معدنها.
    للغة آلامها الخاصة بها أحيانا، حينما نحس، في لحظات معينة أمام جبروتها أو قدسيتها على السواء، بضآلتنا وعجزنا؛ أي حين نستشعر عدم تقبلها لبعض جرأتنا الزائدة عن المألوف والسائد والمتواضع عليه، سواء كجماعات أو كأفراد ينتمون إلى جذر لغوي أو عقائدي أو طقوسي صارم ومنغلق. كما للتصوير كذلك لحظات بياضه المربكة، التي تجعلنا وجها لوجه أمام عدد من الأحاسيس المؤلمة، التي تتراوح بين عسر التعبير بوضوح عن أفكارنا وقناعاتنا ورؤانا من جهة، أو كيفية تحويل كل ذلك إلى ألوان وعلامات وخطوط ومواد فوق سطح بياض آخر هو نفسه سند القصيدة من جهة أخرى.
    وأظن أن خبراتنا المكتسبة وإنصاتنا العميق المتأني لكل ما يحيط بنا، بقناعة تجريبية متواضعة وبروح متعلمة ومؤمنة بحدودها، هو ما يجعلنا قادرين على تمثل تلك اللحظة الرفيعة الفاصلة بين شحنة الامتلاء وهالة الفراغ، بما هما حالتان وجوديتان إبداعيتان تمنحاننا القدرة الواثقة على التنقل بين أداتين تعبيريتين أو أكثر برشاقة كبيرة وثقة منتجة، بخلفية مد القنوات وتبييء الرؤى والتصورات والأفكار، بما يمكن تخيله سباحة حرة، واعية وناضجة في ماء واحد، هو ماء الإبداع.
    ومما لا شك فيه أن تنويع الممارسات الإبداعية، مع ما يقتضيه ذلك من تحصيل لنسبة مقبولة من الإجادة ومن الفنية الملمتين باشتراطاتهما المعرفية، أمر ضروري وملح، وهو – بالتأكيد ما لا يتحقق لكثير من المحاولين، هكذا لمجرد ثبوت نية المحاولة – إلا أن ذلك لا يمنع من تجريب هذه الارتماءات الخطرة والجميلة، كلما لمس المبدع في نفسه إمكانية التجريب، طمعا في الإضافة والتوفق.
    شخصيا، لا أدعي ولم يسبق لي أن ادعيت الوصول أو التمكن الواثق. كل ما أقوم به هو محاولة تجريب الإمكانات التي تتيحها لي كتابة الشعر والتصوير في نفس الوقت، وفق قناعات شخصية تستجيب لذائقتي الإبداعية ولاجتهاداتي الواعية بنقصانها وخبرتي المتواضعة في مجاهل كلتا الممارستين.
    أقول هذا، على الأقل فيما يرتبط بمحاولتي الشخصية للمزاوَجة بين كتابة الشعر والتصوير، وأنا أستحضر صوت مفتي الديار المصرية في مطلع القرن العشرين، الشيخ محمد عبده وهو يجيب عن سؤال من يعتبر التصوير ممارسة محرمة، حيث يقول: ” إن الرسم ضرب من الشعر الذي يرى ولا يسمع، والشعر ضرب من الرسم الذي يسمع ولا يرى “، وهو رأي – بغض النظر عن تجربة الكاليغرافيا في ما يتعلق بحاسة النظر – فيه كثير من العمق والحصافة والتمثل السخي للعلاقة التي يمكن أن ينشئها المبدع – متعدد المواهب – في ذاته المفردة، بعيدا عن تلك الاشتراطات العقيمة التي تقلص من حدود استفادة كل الأجناس الإبداعية من بعضها البعض، فيما يمكن أن يصبح عنصر إغناء وتطوير للذات المبدعة.
    لقد كان مأزق الامتلاء الفارغ ولا يزال أحد أعداء المبدع المجدد، كما ظل طموح إخصاب ذهنه وشحنه بما يمكن أن ينتج ويبدع ويضيف أحد أكبر همومه اليومية على الدوام. لذلك، فسواء تعلق الأمر بالشعر أو بالتصوير أو سواهما، ينبغي تمثل هذا الأمر كما لو كان صراعا يوميا من أجل تنقيح الذاكرة وتشحيم مواسيرها لإنتاج الأفضل. وما الأدوات التي نوظفها في هذا الصراع الإبداعي الضروس سوى آلة ووسيط نسخرهما لتحريك ماء الخيال، بما يعكس انفعالاتنا المنتجة ويفرغ مكنون أحاسيسنا فوق هذا السند أو ذاك. إننا لا نقوم، في نهاية الأمر، سوى باقتراح نظرتنا للعالم وإحساسنا به، كل بطريقته الخاصة وفي المجال / المجالات التي يتقنها، وهو ما أعتبره لحظة تواصل بين نظرتين مختلفتين، وبين متخيلين متباينين، أي بين الذي يبدع والذي يستقبل هذا الإبداع.
    الإبداع لحظة نادرة، بكل تأكيد، لكنها تنتمي للبشرية جمعاء وليست مقتصرة على الذات المبدعة وحدها، بما أنها تطمح إلى استدعاء طرف ثان للوقوف على أطراف لحظة انفعال ودهشة مشتركة. وتلك، في اعتقادي، إحدى وظائف الإبداع الأساسية كيفما كانت طبيعته أو مسماه. وما محاولة تنويع الأداة وتجريب استدعاء ما يبدو مختلفا، في ذات مبدعة واحدة، سوى محاولة اجتهاد نبيلة للكشف عن إمكاناتنا غير المستثمرة، وهي إلى ذلك، خيار إبداعي آخر لإخصاب الذاكرة وعدم الاستسلام لانحسار الذائقة الفنية.

    المصدر : الاتحاد الاشتراكي

    شارك هذا الموضوع:

    • شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
    • المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
    • المشاركة على WhatsApp (فتح في نافذة جديدة) WhatsApp
    • اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
    • المشاركة على LinkedIn (فتح في نافذة جديدة) LinkedIn
    • إرسال رابط بالبريد الإلكتروني إلى صديق (فتح في نافذة جديدة) البريد الإلكتروني

    مقالات ذات صلة

    أخبار الإبداع التصوير الشعر الفن الكتابة
    شاركها. فيسبوك تويتر بينتيريست لينكدإن Tumblr البريد الإلكتروني
    دابا ماروك
    • موقع الويب

    المقالات ذات الصلة

    قانون المالية 2026.. الحكومة تقبل 72 تعديلا بمجلس المستشارين

    4 ديسمبر، 2025

    هذا موعد الافتتاح الرسمي لحديقة عين السبع بالدار البيضاء

    4 ديسمبر، 2025

    خط جوي جديد ومباشر يربط الدار البيضاء بلوس أنجلوس

    4 ديسمبر، 2025
    اترك تعليقاً إلغاء الرد

    مزور وحجيرة يبتدئان مشوارهما الحكومي بلقاء تواصلي لتحديد أولويات المرحلة المقبلة بالمغرب

    22 أكتوبر، 2026

    حريق مدمر يلتهم مستودع شركة النظافة بمراكش ويتسبب في خسائر مالية كبيرة

    22 أكتوبر، 2026

    أربعة مغاربة يشعلون الموسم الثاني من “الحب أعمى، حبيبي” على نتفليكس!

    22 أكتوبر، 2026

    رعب في تارودانت بعد انهيار جزء من سورها التاريخي الشهير

    22 أكتوبر، 2026

    إلغاء تسقيف مباريات التعليم.. المنصوري تسرع الإجراءات لتحقيق “100 يوم” من الأمل للمغاربة

    22 أكتوبر، 2026

    مداهمة جمركية في فاس: حجز مجوهرات قيمة وتوقيف 3 أفراد في محلات للذهب

    22 أكتوبر، 2026

    المنصوري تعلن عن إنهاء مهام خيير في مجلس المستشارين: «خطوة جريئة» والنزاهة تُعتبر قضية أساسية

    21 أكتوبر، 2026

    بادرة إنسانية من حموشي بعد وفاة شرطي في حادث سير بالرباط

    21 أكتوبر، 2026

    أمن العيون يوقف شخصاً معروفاً بأعماله السابقة ويضبط أكثر من 350 قنينة من المشروبات الكحولية

    21 أكتوبر، 2026

    إصلاح ضريبي تاريخي: تغييرات هامة للأجراء في المغرب ابتداء من 2027!

    21 أكتوبر، 2026

    ريشة عينوش: بدائل مُضللة تَحل محل سياسة الدولة

    21 أكتوبر، 2026

    المكتب الوطني للمطارات: تعيين نبيل مصالي كمدير لقطاع الملاحة الجوية بالمغرب

    21 أكتوبر، 2026

    القصة المأساوية لمقتل رضيعة على يد والدها.. كيف تحولت مكالمة انفعالية إلى مأساة هزت العاصمة الاقتصادية للمغرب؟

    21 أكتوبر، 2026

    وزارة الصحة تطلق حملة وطنية لتحفيز الرضاعة الطبيعية وتبرز فوائدها لصحة الأم والطفل في المغرب

    21 أكتوبر، 2026

    تنظيم الدورة الرابعة للملتقى الوطني لتراث الواحات في أقاايغان بإقليم طاطا: احتفاء بالثقافة والتاريخ المغربي

    21 أكتوبر، 2026

    لقطات حصرية من خامس أكبر سد في المغرب: أشغال بناء سد “خنك كرو” تقترب من نهايتها

    21 أكتوبر، 2026

    الجزائر: لغز اللحوم المختفية.. عندما تتساءل الدولة عن نفسها

    21 أكتوبر، 2026

    ماديحة خيير بعد إعفائها من الحكومة.. هل تودع البرلمان وتقدم استقالتها؟

    21 أكتوبر، 2026

    «إنوي» تساهم في تجهيز 40 مدرسة قروية جديدة تحت برنامج «الأقسام المتصلة: دير يديك» لصالح التعليم في المغرب

    21 أكتوبر، 2026

    بميزانية تقدر بـ 4.34 ملايين درهم.. تفاصيل مشروع تجديد شبكة الماء الصالح للشرب في المدينة العتيقة بفاس

    21 أكتوبر، 2026
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام بينتيريست
    © 2026 داباماروك .

    اكتب كلمة البحث ثم اضغط على زر Enter