في معرضه المقام حاليا برواق باب الرواح بالرباط، تحت عنوان «أفاق» يقدم الفنان التشكيلي مصطفى بلكوش باقة من أعماله التي أبدعها بين سنة 2009 و 2015 والتي يتمحور جلها حول موضوعة واحدة هي هذا المنظر الطبيعي الهلامي الممتد في الافق، إذا ما استثنينا لوحات قليلة اعتمد فيها الفنان على تقنية الحفر.
هكذا تتنوع المشاهد والمناظر وكأنها تنهض من كينونتها السديمية الأولى لتشكل أمامك الآن. في لحظة النظر إليها، وليس قبلها، مناظر لأماكن قد تكون عبرتها أو عبرتك ذات حلم، تكشف عن بعض ملامحها، وتخفي الكثير منها، في لعبة للتمنع داخل “»جدلية الخفاء والتجلي”«، مناظر شفافة، سرابية، مناظر تكاد تخال أنهار رسمت أو شكلت من صهارة
بركان
.. ثمة دوما شيء ما يسيل أو يتبخر داخل المشهد، وثمة دوما حركة تزوبع الاتجاهات داخل ذات المنظر.
– من أين تأتي مثل هذه المشاهد لتفرض سلطتها على يد الفنان؟
– قد تكون المناظر طبيعية وحقيقية حقا، رآها الفنان ليتم تحويله إلى لوحات فنية، مع محاولة لإضفاء مسحة تجريدية عليها، وهو أمر متاح للفنان وممكن. لكن الغالب، هو أن هذه المناظر خلقت قبل النظر، من انصهار الوعي واللاوعي وتمازج الذاكرة بالخيال، مناظر لأمكنة توجد خارج الزمن. لكنها مناظر لبدايات ولآفاق جديدة لا تكف عن التجدد، حتى لكأنك تنظر إليها من خلف حجاب، لكن بلا حجاب أيضا. مشاهد في تشكلها الأول، في الانصهار الأول لريشة
البركان
، يسيل المشهد أمامك موسعا آفاقه حتى ليكاد لا تحصره إطارات اللوحات. شيء ما يبدأ هنا ولا ينتهي، لكن رغم ذلك، فكل شيء كامل هنا أيضا.
ثمة سحر خفي ها هنا.. سحر قد يكون عنوانه الأكبر هو: السيلان والميلان. كل شيء يسيل. وكل شيء يميل.
ثمة سحر تبدعه هذه الضربات المتابعة، واللمسات المائلة التي تدعو العين إلى السيلان معها، بحيث تتوقف اللمسة وتظل العين مسافرة على نفس الخط، مناظر ومشاهد شفيفة وكأنها مجتزأة من حلم منسي، مناظر ما يتبقى من التكوين الأول. إنها فعلا سفر التكوين الأول، وسفر في التكوينات الأولى للخلق الأول، وهو ما تسعفنا في الذهاب إليه تلك اللوحات القليلة المعتمدة على تقنية الحفر، حيث نشاهد ما يشبه ديناصورات وحيوانات الزمن الأول، مما يدل على أن الفنان مسكون بسحر الابتداء.
لوحات ضاجة بالموسيقى وبالإيقاعات، وثمة صخب وعنف يتصاعدان أو يخفتان في هذه السمفونيات، وثمة تناغم تركيبي، وانسجام توزيعي لفضاء اللوحات بين الأفقي والعمودي بحيث يبدو كل شيء مكتملا، وبحيث لا تنتهي اللوحة إلا حين يكتمل المنظر.
لذلك سأزعم حقا أني عشت بالقرب من هذه المناظر، وأني كبرت معها وأنا أشاهدها.
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

