المقهى (القهوة)، رغم أنه مشروع تجاري يدر الأرباح على أصحابه، يمكن اعتباره مؤسسة من مؤسسات التنشئة النشطة بشكل فعال في المجتمع المغربي. فهي من أكثر الأماكن التجارية انتشارا في كل المدن لا ينافسها في ذلك سوى “الحانوت” و “المحلبة”. و هي من حيث وقت اشتغالها تنشط على مدى زمني كبير قد يتجاوز في المتوسط 16 ساعة في اليوم (عموما من 7 صباحا إلى 11 ليلا). وهي مفتوحة أمام جميع الفئات الاجتماعية والعمرية. والعامل المالي ليس عاملا محددا في ولوجها بشكل عام، حيث أن سعر “الكونسوماسيون” في حده الأدنى في المقاهي الشعبية، التي تعتبر الأكثر انتشارا، في متناول العموم. و المدة الزمنية التي يمكن للشخص أن يقضيها في المقهى عموما مفتوحة. وعدد رواد المقاهي يلاحظ أنه، رغم كثرتها وقرب بعضها من بعض، مهم مقارنة مع قدرتها الاستيعابية. و هذه المقاهي لا يقصدها روادها فقط بدافع استهلاك ما تقدمه من مشروبات، بل يقصدونها أيضا، إن لم يكن بالخصوص، للراحة و لما تمثله من فضاءات للتواصل الاجتماعي مع الغير أو للتبادل الفكري والثقافي أو للاستمتاع بمختلف الخدمات الأخرى غير المشروبات التي يقدمها المقفى سواء المتعلقة بالجرائد أو بالتلفزيون أو غيرها من الخدمات. إن كل هذه المؤشرات الملاحظة، والتي لا يسعف البحث في العثور على إحصاءات حولها، تجلع من المقهى (نظريا على الأقل في “غياب” الإحصاءات الموتوقة) مؤسسة من مؤسسات التنشئة الاجتماعية بامتياز.
بالإضافة إلى دوره الاجتماعي، لعب المقهى على مدى من الزمن دورا كبيرا في مجالات عدة منها ما هو سياسي، وثقافي و فكري. فالمقهى كانت له مكانته في الكفاح الوطني ضد المستعمر، ووفر فضاءات التقاء الوطنيين لتنسيق خططهم، وتبادل الملعومان الحيوية التي تهمهم. والمقهى أيضا ملجأ السياسيين، لعقد اجتماعاتهم المصغرة والتي أحيانا تكون قراراتها مصيرية بالنسبة لمشاريعهم السياسية، كما توفر مكان التقائهم مع المخالفين معهم مما يسمع بتفاعل آخر بينهم على أساس من العلاقات الانسانية وليس الاختلاف السياسي و الايديولوجي، فكم من لقاء بين غريمين تم بسلاسة في المقهى فيما فشلت كل المحاولات لعقده في المقرات. ومن المقاهي ما سميت بامتياز نوادي سياسية، حيث تستقطب مختلف الفاعلين السياسيين ومترصديهم من الصحافيين الذين يعتبر المقهى أحد نقط اللقاء بالمصادر وصيد المعلومات. ومن المقاهي ما عرف بكونها نوادي ثقافية و فكرية تستقطب الشعراء والمفكرين والأدباء، يملأ فضاءاتها التبادل والسجال الفكريين. وعموما كان للمقهى دور فعال في الحياة السياسية والثقافية والفكرية. قبل قرابة عقد من الزمن يمكن القول إن المقهى عموما كانت تتوزع وظيفته بين تقديم الخدمة الاجتماعية (التواصل) و الترويحية (الفضاء) و الترفيهية (المذياع والتلفزيون) وبين توفير فضاءات التبادل الفكري والسياسي والثقافي. و اليوم يبدو أن التوجه الغالب في سوق المقاهي يسير نحو تغليب البعد الترفيهي حيث يلعب التلفزيون الدور الحاسم خاصة في متابعة أخبار الرياضة في استقطاب الزبناء، وضمور الدور الفكري و السياسي باستثناء التنافس على توفير خدمة التلفزيون في متابعة الأخبار والبرامج، وخدمة قراءة الجرائد بالمجان وما يمثله ذلك من انتهاكات في حق الصحافة المكتوبة الضعيفة الانتشار أصلا، مع ظهور جيل من المقاهي، لا يزال محدودا نسبيا، يختص في تقديم خدمات منافية للقانون والأخلاق العامة، خاصة ما يتعلق بترويج الشيشة و المخدرات وتوفير فضاءات اللقاء بين المراهقين. وحجم هذا النوع الجديد من المقاهي المتنامي تؤكده الأرقام التي تنشرها الصحافة بشكل مستمر يهم عمليات الإغلاق و المتابعة وغيرها. المقهي له حضور آخر في الحياة الاجتماعية للمغاربة، فالارتباط بالمقهى له تداعيات نفسية و اجتماعية حين يتحول ذلك الارتباط إلى نوع من ألإدمان فيصبح مرتاد المقاهي غير قادر على تدبير تردده على المقهى بشكل سليم، مما يكون سببا في توثره وقلقه حين لا يلبي “الحاجة” إلى الجلوس في المقهى. والارتباط المرضي بالمقهى تساعد عليه عدة عوامل أهمها اكتساب عادة الجلوس في المقهى، وهذه العادة تتدعم بعوامل اجتماعية (لقاء الأصدقاء)، وعوامل لها دور في تشكل حالة إدمان مركب منها التدخين (النيكوتين) والقهوة (الكافيين)، مما يخلق ارتباطا نفسيا متداخلا بين عادة الجلوس في المقهى و مواد تسبب في الادمان. وحالة الإدمان على المقاهي بالإضافة إلى الآثار النفسية والعضوية على المدمن، نجد لها آثارا أخرى لا تقل خطورة على الأسرة، وخاصة بالنسبة للأزواج والآباء، فالارتباط المرضي بالمقهى يتسبب في الغياب المخل عن الأسرة للأب والزوج مما تكون له انعكاسات تربوية سلبية على الأطفال وانعكاسات سلبية على العلاقات الزوجية. لقد تشكلت صورة نمطية في أوساط رواد المقاهي تجعل من صفات “الراجل” (بالدارجة المغربية) ارتياد المقاهي و”التحرر” من العلاقات الأسرية التي تقربهم، حسب تلك الصورة، إلى “لْمْرَا”. إن الكثير من المشاكل الأسرية سواء في العلاقات الزوجية أو تربية الأبناء، يكون للمقهى فيها دور حاسم. إن الحفاظ على الدور الإيجابي للمقهى في حياة الأشخاص وفي العلاقات الاجتماعية و الحياة السياسية والفكرية أمر مهم لإدماجها كفاعل في التنمية، ليس فقط لما يوفره من مناصب الشغل وما يلعبه من دور اقتصادي (خاصة السياحة)، ولكن للحجم الكبير من المواطنين الذين يرتادون المقاهي بشكل يومي ولمدد طويلة، ولما يترتب عن “الإدمان” عليها من مشاكل مختلفة. إن الانحراف في التوجه الخدماتي لبعض المقاهي يدق ناقوس الخطر ويدعوا إلى التفاتة خاصة لهذا المرفق المتجذر في المجتمع.
المصدر: حسن بويخف نشر في التجديد

