فعندما قرأتُ الخبر، ظننت أنهم جاؤوا إلى “الزاوية الستالينية” لإقامة قُدّاس للترحم على الشيوعية، بعد انتقالها إلى مقبرة التراث البشري، وأنهم سوف يلقون خطبا تأبينية بالمناسبة وسيدعون للشيوعية بالمغفرة كما طلب “ستالين” نفسه في آخر حياته من مطران الكنيسة الأورثوديكسية في
موسكو
.. فإذا بالرفاق يجتمعون في محاولة منهم لبعث الروح في المومياء المحنّطة للشيوعية البائدة منذ عقود خلت؛ والمصيبة أن الإخوان المسلمين الذين يشاركونهم في الحكومة، لم يبينوا لهم أن الأموات لن يعودوا إلى الحياة الدنيا مرة أخرى، وأن روح الشيوعية قد انتقلت إلى الإسلاموية، وأنه بعد [الثلاثية الميمية]: (ماركس ماركوز ماو) حلّت مكانها ثلاثية دموية أخرى وهي: (ابن تيمية ابن لادن والبغدادي) وأن الأسلوب والمنهج لم يتغيرا، لذا رأينا الإسلامويين يقبلون بالتحالف الشاذ مع الشيوعيين، وإذا كان شعار هؤلاء هو السيف لقطع الرقاب باسم الجهاد، فإن شعار الرفاق كان هو المنجل والمطرقة باسم العمال والفلاحين، وبذلك سالت أنهار من الدماء.. [أُو ستالين، أنت أب الشعوب، أنت الذي تحرّك خيوط القيثار، وتنظم أعذب الأشعار.. أنت من تأتي بالربيع لتورق الأشجار، ويعمّ الحقولَ الاخضرار.. أنت ملهم ذوي الأفكار، أنت من تقود قطار الشيوعية نحو هدفه الأسمى..] هذا ما قاله أديب فرنسي أخرق يدعى “لوي أراغون”، وأنا أقول له كذبت! كان عليك أن تقول للتاريخ: [أُو ستالين، أنت قامع الشعوب، ومراكم الجرائم والذنوب، ومصادر الحبوب وقت المجاعة، وسبب ارتعاش المواطن المرعوب، ومستعبد دول الجنوب، وحامل منجل لقطع الأعناق، ومطرقة لسحق الأدمغة والأشداق في زمن حالك مُرّ المذاق.. أنت الخبير في الخيانات، وسجّان معتنقي الديانات، ومصطنع الكيانات، ومنظم المحاكمات، وطابخ الكاذب من البيانات]، كل ذلك باسم الشيوعية الحمراء، التي يحاول الرفاق الطوباويون استنساخها ولكن هيهات! لقد حاول خبراء قبلهم ولكنّهم فشلوا فماتت الشيوعية كعقيدة، ومنهج، وشعار كيف ذلك؟ لقد حاول “جرّاح” اسمه “سارتر” أن (يُؤَنْسِنَ) الماركسية الموغلة في المادية، وأن (يوَجْدن) الشيوعية المتجاهلة لحقيقة الإنسان الحي، ولكنها ماتت أثناء العملية الجراحية، إذ دخلت فجأة “جِنِّية” تدعى “البنائية” وأزهقت روحها مرة واحدة وإلى الأبد، قبل أن تموت هي نفسها وتُنقل إلى مَغَرة الهياكل العظمية المكتوب على بابها: “في البدء كانت البنية”.. وهكذا أحس الشيوعيون بنهايتهم، وتأكدوا أن “سارتر” أخفق، وأن “اَلْتُوسير” أُصيب بخلل في عقله، وخنق زوجته، وأن “ليڤي شتراوس” امتدح الحياة البدائية وأنكر التطور؛ لكنّ “مالرو” الشيوعي المرتد فآثر الارتماء في أحضان الديغولية، وصار وزيرا فيها تماما كما فعل بعض الشيوعيين عندنا، وهم اليوم وزراء في الحكومة البنكيرانية.. ولكن “مالرو” قال إن القرن 21 هو قرن طغيان الدين، وبروز العقائد القديمة وصدق الرجل.. أما “ستالين” فقال إن الشيوعية لا توافق بعض الشعوب إلا كما يوافق السَّرْج البقرة؛ وصدق الرجل.. قالوا إنهم يحاولون خلق امتدادات خارجية للتموقع على الخريطة، وأن بعث اليسار الشيوعي جاء كرد فعل على صعود الإسلاميين للحكم في بعض الدول العربية.. لو كان “ستالين” حيا لبعث برسالة واضحة لبنكيران كتلك التي بعث بها لهتلر، يطالبه فيها بمعاملة الشيوعيين كما يعامَل المجرمون في
روسيا
، مع العلم أن الشيوعيين تحالفوا مع النازيين لتشكيل الحكومة، وهو ما فعله الشيوعيون المتحالفون مع بنكيران في بلادنا؛ والآن أتوا ليتحدّثوا عن صعود الإسلاميين للحكم، فعلى من يضحكون!؟ فما تقوم به الآن الجماعات الإسلامية الإرهابية، هو تماما ما كانت تقوم به المنظمات الشيوعية واليسارية مثل [الدرب المضيء، وتوباك أمارو، F-A-L-N] من قتل، وبقْر للبطون، وهو نفسه ما قام به الشيوعيون في
الصين
، أيام الثورة الثقافية التي دامت 10 سنوات بدعوى محاربة المرتدّين عن الشيوعية، ودعاة الرأسمالية والإمبريالية؛ هو نفسه ما يحدث الآن وراء ستار الجهاد ومحاربة أهل الكفر والردة.. فهل هناك فرقٌ بين العقيدتين؟ الجواب: كلاّ! كان الشيوعيون في
أمريكا
الجنوبية يرفعون شعار: “كُنْ وطنيا واقتلْ رجل دين”؛ والآن يرفع الإسلاميون شعار: “كنْ مسلما واقتلْ المرتدّين” ونصيحتي للشيوعيين، هو أن يأخذوا العبرة من “أهل الكهف” الذين عندما استفاقوا من نومهم بعد قرون، ولاحظوا أنهم يعيشون لزمن غير زمنهم، وأنهم غرباء في المجتمع، فضّلوا العودة إلى كهفهم إلى الأبد، وكان قرارهم صائبا بلا ريب، وكذلك على الشيوعيين الضائعين في مسالك حياتهم أن يفعلوا، وذلك خير لهم لو كانوا يعلمون؛ أليس كذلك يا كَمَرَاد!؟ تحية نضالية! إلى اللقاء في
الدار
الأبدية!
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية



