بالرغم ممّا يقع هنا وهناك، وبين الفينة والأخرى، من تقصير لافت لدى عدد من المسؤولين، من مختلف القطاعات والرتب والدرجات، وفي مختلف المناطق والجهات، فإن مسطرة المحاسبة التي يفرضها الدستور تظل جامدة وكأنها في يد ميّت. تسقط عمارات وهي ما زالت في طور البناء وتسقط معها أرواح، ولا محاسبة. تموت سيّدات والأجنّة في بطون أمهاتهم في الطريق أو بباب المستشفى أو المستوصف، وهنّ ينزفن، ولا محاسبة. يطرد العامل من عمله شرّ طردة، ويلقى به في الشارع من دون أن يتوصّل بحقوقه المهضومة كاملة، ولا محاسبة. أمّا التلاعب في التوظيفات وفي المباريات الصورية، كما في المباريات الرياضية أصبحت حديث المجالس، ولا محاسبة. ما حدث في المناطق، التي أصبحت منكوبة، بفعل الأمطار الطوفانية التي خلّفت وراءها العديد من الضحايا والخسائر، يدعو إلى وقفة جدّية على مدى التفريط في القيام بالواجب الذي يفرضه الأمر الواقع. أين الوزراء والولاة والعمّال وسائر المسؤولين في الجهات المعنية رغم أنهم يتوصّلون بالنشرات الإنذارية الخاصة بأحوال الطقس؟ لماذا حصل كل هذا التأخّر للتدخّل في الوقت المناسب؟ ولماذا لم يقوموا حتى في حضورهم المتأخّر وليس تدخّلهم بما ينبغي القيام به، على الأقل للحدّ من الخسائر والأضرار، والتخفيف من معاناة وآلام المواطنين الذين لم يجدوا أيّ منفذ للإغاثة سوى رحمة الله؟ المصيبة أن البعض لم يحترم حتى الموتى وهو يأمر بنقل جثثهم في عربات غير تلك المخصصة لنقل أموات المسلمين. لو كانت المحاسبة لما تمّ هذا وأقلّ من هذا وما دون هذا. لو كانت المحاسبة لوجدت الوزير والوالي والعامل، وكل مسؤول في كل جهة، يعمل للحساب حسابه: يحاسب نفسه، ولا يغادر مكتبه إلاّ بعد أن يصفّي حسابه قبل أن يتعرض للمحاسبة. لو كانت المحاسبة لوقف هؤلاء وأولئك على كل كبيرة وصغيرة في وزاراتهم وأقاليمهم وولاياتهم. هناك وزراء وولاة وعمّال ومسؤولون لا يعرفون جغرافية المنطقة التي يشرفون على إدارتها. لا يعرفون أحياءها وأزقتها ودروبها الخلفية، أو قل “يعرفونها” عبر التقارير التي تصلهم في كل لحظة إلى مكاتبهم. يعرفون فقط الشوارع الكبيرة والعريضة، المعبّدة جيدا والمهيأة جدّا، التي يمرون منها من المنزل إلى المكتب ذهابا وإيابا، وغير ذلك لا يهم وكأنّه لا يدخل ضمن مهامهم ومسؤولياتهم التي يتقاضون عليها الأجور والتعويضات السمينة الغليظة وما جاورهما. ما هو دور الوزير والوالي والعامل والمسؤول إذا كان لا يستطيع مغادرة مكتبه ويظل قابعا فيه. لا يريد سماع أنّات المواطنين، ولا أن يقف على معاناتهم، ولا ينظر في مشاكلهم، ولا يستقبل أحدا منهم؟ ترى هذا وذاك وذلك من هؤلاء المسؤولين لا يستطيعون التجوّل في شوارع مدنهم ودروب بواديهم مخافة أن تتعرّض أحذيتهم اللاّمعة وبذلاتهم المكوية لأوساخ التراب وكل ما يعلق بها. نوع من المسؤولين يتأفّفون من الاقتراب من المواطن العادي بقدر ما يلتصقون بالمواطن السوبر، فكيف ننتظر من هذا النوع من المسؤولين أن يقفوا على المشاكل فبالأحرى أن يعملوا على إيجاد حلول أو بعض الحلول لها؟ في مقابل هذا، نجد ملك البلاد يقطع المسافات بين المسالك الصعبة والأودية الوعرة؛ يزور المناطق النائية ليتمكّن من الاطّلاع المباشر على أحوال البلاد والعباد؛ يقترب من مواطنيه وأبناء شعبه في كل مناسبة، يصافحهم، يحيّيهم، يعانقهم، يقبّلهم، يتبادل معهم الحديث، يسألهم. ملك “يضرب رجليه في الغيس” بين دروب الدواوير وتحت الأمطار والثلوج المتساقطة في حين تجد وزراء وولاة وعمّالا أقسموا بأغلظ الأيمان أن يخدموا وطنهم ومواطنيهم، وسرعان ما ينسون اليمين التي أدّوها بمجرّد ما أن يتركوا جسدهم يتهاوى على الكرسي الوثير في المكتب الفسيح، ولا يرضون أن تطأ أقدامهم تراب الأرض. إن أرواح الضحايا وحقوق الأحياء تطاردنا مواطنين وحكومة وهيئات حزبية ونقابية ومجتمعا مدنيا في كل لحظة. وللاستجابة لهذه المطاردة، لا بدّ من تحريك مسطرة المحاسبة، ومساءلة المسؤول عمّا اقترفه من تقصير وإهمال وإغفال، ومحاسبة الذي لم يتحمّل مسؤوليته أو الذي ليس قادرا أو مؤهّلا لتحمّلها.
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

