ظاهرة بنكيران هي ظاهرة عارضة: [Epiphénoménon] على حد تعبير “هيجَلْ”؛ فهي جزئية لحقبة تاريخية معيّنة.. ويرى “فرانسيس بيكون” أن هذه السياسة التي يصبغونها بالحكمة، فهي رغم أنها عارضة، إلا أنها مهلكة للمجتمع بشكل ظاهر؛ إنها حكمة الفئران، يقول “بيكون”، التي لا تترك بيتا بالتأكيد إلا وهو آيل للسقوط؛ إنها حكمة الثعلب الذي يخرج الغريرُ من جحره الذي كان يسكنه؛ إنها حكمة التماسيح التي تذرف الدموع حينما تشرع في الافتراس: [المقالات أو المشورات المدنية والأخلاقية؛
لندن؛
1916؛ صفحة: 73].. ولأكون صادقا وأمينا مع القارئ الكريم، فإني عجبت لقول كهذا يصدر عن “بيكون” وتحرَّيتُ لأعرف هل قاله قبل أن يصبح مدعيا عاما في الحكومة، أم بعد أن صار كذلك، وأرسل صديقَه “إيرل إسكس” إلى حبل المشنقة، وهو الذي آواه وساعده حتى أكمل دراسته القانونية؛ فقام “بيكون” بالمهمة أحسن قيام، تماما كما طلبتْ منه الحكومة؛ وبعدما أنجز عمله هذا، طردته الحكومة من منصب المدعي العام.. فقال فيه الشاعر “ألكسندر بوب”: “كان أعقل الناس، وألمع الناس، وأنذل الناس”. وهذه بالضبط حكمة بنكيران، يوم كان أعقل الناس، وألمع الناس؛ يعني يوم كان خارج الحكومة، وكان ينتقد السياسة المتبعة، ويحذّر من استهداف مصالح الشعب، ويخشى على الوطن واستقراره من الزيادة في الأسعار، ويطالب بتشغيل المعطلين، وينادي في خطبه بإصلاح منظومة العدالة، ويقول إن العدل أساس المُلك ويسْخر مثله مثل “بيكون” من حكمة الثعالب، وسياسة التماسيح، وَ، وَ، وَ.. والمتخصصون والدارسون للفلسفة، يعرفون بأن الذي غيّر أفكار “بيكون” وأثّر عليه بشكل مباشر، إنما هو الإيطالي “ماكياڤيللي”، صاحب كتاب: “الأمير” حيث قال “بيكون” في لحظة نشوة ودهشة: “لقد هداني هذا الرجل النحيف إلى ما كنت أبحث عنه!”؛ ومعلوم أن “ماكياڤيللي” كان مُنظّر البرجوازية الصاعدة، وكتابه هو إنجيل الوصوليين، والانتهازيين، خارج إطار القيم، والأخلاق، والصدق في الأقوال والأفعال.. قد يسألني القارئ الكريم سؤالا وجيها وهو: إذا كان “بيكون” (الحكيم) قد تأثر “بماكياڤيللي”، فبمن تأثر “بنكيران” (الحكيم) في سياسته؟ الجواب هو أن بنكيران يجسّد تاريخا عربيا اكتسى طابع الوراثية حتى صار من الثوابت في تاريخنا [constantes] وقد ذكر ذلك ابن خلدون في “المقدمة”.. فبنكيران هو استنساخ صادم “لعبد الملك بن مروان” الذي كان المصحف لا يفارقه، وكان في المسجد يذكِّر بوصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولما جاءه رسولٌ وسلّمه كتابا عرف منه أنه صار خليفة؛ طوى المصحف لتوِّه وقال له: “هذا آخر العهد بيني وبينك” وبعد ستة أشهر على حكمه، دعا الناس إلى الاستماع إلى خطبته التاريخية، وكانوا ينتظرون منه الخير الكثير، فاشرأبّت الناس بأعناقها، وهي كلها أمل، فإذا بها تسمع “عبد الملك” يقول: “والله إني لأداوي أدواء هذه الأمة إلا بالسيف، فمن قال برأسه هكذا، قلت بسيفي هكذا” ولوّح بالسيف أمام الرعية.. أليست هذه هي سياسة بنكيران الداعي من قبْل إلى الله؟ أليست سياسة بنكيران ترتكز على السيف مع التهديد والوعيد؟ أليست ظاهرة بنكيران ظاهرة عابرة ولكنها مدمِّرة؟ أليست سياسة بنكيران الداخلية محبِطة فيما سياسته الخارجية وصلت نتائجها إلى مقاييس مهولة تحت الصفر؟ ولولا سياسة جلالة الملك نصره الله الذي يسافر إلى الخارج، لإصلاح ما أفسده بنكيران الحكيم وبطانته، لكنّا اليوم أسفل سافلين على المستوى الدولي والقاري والإقليمي؟ دعني أسوق مثالا حديثا على “حكمة بنكيران”.. لقد فرض المجتمع الدولي عقوبات على
روسيا
، والمغرب له علاقة متميزة مع الغرب؛ فأسلحتنا غربية، وقطع غيارنا غربية، وجاليتنا في دول غربية، وقضايانا المصيرية كل ملفاتها في مكاتب منظمات غربية، وعلاقاتنا الاقتصادية والتجارية هي مع دول غربية، كما أن المناوئين لنا، هم في دول غربية، ثم تأتي حكومة بنكيران، وتحاول أن تجعل المغرب يحل مكان هذه الدول العظمى التي تقاطع
روسيا
، من أجل مليارين ونصف قد تكون لها تبعات، مع العلم أن
روسيا
هي الآن في حرب مع
أمريكا
، والاتحاد الأوربي، ومع البرلمان الأوربي، ومع الحلف الأطلسي، ومع
الأمم
المتحدة
ومجلس الأمن الدَّولي؛ كل هذا تجاهلته حكومة بنكيران، وأرادت للمغرب أن يلعب هذا الدور المحفوف بالمخاطر، دون استشارة شركائنا التقليديين؛ كل ذلك من أجل فلسَيْن دون تنبُّه لانعكاسات هذا القرار الانفرادي على بلادنا آجلا ومستقبلا.. فالغربيون ليسوا هم المغاربة الذين يصبرون على سريالية بنكيران حتى ضاق من صبرهم الصبرُ.. الغربيون لهم آليات ومؤسسات للرد، والشعب هو الذي سيؤدي الثمن، وليس بنكيران وحوزته…
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

