رائحة كريهة تلك التي يستقبلك بها كاريان «طومة»، القابع في أطراف مدينة البيضاء، حيث الوجوه غير الوجوه، والآلام والمعاناة كثيرة، تلك التي يتخبط فيها شباب ونساء ورجال كاريان «طومة»، الذين لا ذنب لهم غير أنهم وجدوا في كاريان حيث ولدتهن أمهاتهن وتربوا وقضوا سنوات ليست بالقليلة من أعمارهم، لينعتوا فيما بعد بـ«أصحاب المشاكل» ويحرمون بحجة أو بأخرى من الاستفادة من السكن اللائق الذي أريد به القضاء على السكن غير اللائق الذي تعج به مدينة الدار البيضاء. هناك من حرم من الاستفادة بحجة أنه مطلق من زوجته وأخرى لأن زوجها هارب من العدالة بعد قتله لابنه، وإلى جانبهم أرامل حرموا أيضا ومطلقات وأزواج جدد. يلتفون حولك ويطلعوك على ما يجثم على أنفاسهم بكل حيطة وحذر من أن يكتشف أمرهم أحد ويبلغ السلطات التي لن ترحم ألسنتهم، التي أباحت لنفسها حق إيصال الصوت، وخاصة للإعلام، حيث جل من تحدث إلى«المساء» من الشباب، أخذوا العبرة ممن سجنوا وبتهم يقولون عنها إنها ملفقة وظالمة، فقط لأنهم قالو: «لا للهدم..»، ليجبروا على التزام الصمت وانتظار الفرج الذي لا يرون له إطلالة، ليبقى مصيرهم وأطفالهم الموت البطيء ومصارعة الأمراض الجلدية التي تصيبهم بسبب عيشهم فيما يشبه الغرف وسط مزابل، بجانب حمير و«عوا» وكلاب ضالة.
ما إن تطأ قدماك كاريان «طومة»، حتى تزكم أنفك رائحة الواد الحار، القادمة مخلفاته من منطقة «أهل ولاد الغلام»، حيث لن ينفع معها غير لثام، لعله يرحم أنفك من رائحة لن تسلم منها عينا الزائر اللتين تدمعان بعد إصابتهما بالالتهابات.
تمر بمحاذاة الواد الحار ليستلمك الذباب، ليقوم بواجبه على أكمل وجه تجاهك، مرحبا وشاكرا لك أيضا على الزيارة، أو ربما طردك وحذرك من الخطو نحو الأمام، حيث لن تكتشف غير واقع مزري وأليم، ولن تلتقي غير وجوه حزينة تشكي غلبها وقهرها وضيق يدها وحيلتها في تغيير واقع تكابد ويلاته منذ أن تم هدم «براريكها»، التي كانت تؤويها وأسرها في إطار البرنامج الذي أعلن عنه سالفا، والمتعلق بـ»مدن بدون صفيح» الذي انطلق في يوليوز سنة 2004، والذي يهدف إلى القضاء النهائي على السكن غير اللائق، لكن المشروع كان له ضحايا، هم الذين هدمت براريكهم وتركوا عرضة للتشرد والسكن في «الكراجات» مقابل سومة كرائية لا يستطيعون أداءها، حيث ارتفعت أثمنة الكراء بالمنطقة المجاورة لكاريان «طومة» جراء الإقبال المتزايد عليها من قبل سكان «الكاريان» إلى أرقام قياسية بلغت 2000 درهم للـ»كراج»، وهو ما جعل بعض الذين هدمت براريكهم يحتمون وسط غرف من الخشب ومغطاة بالبلاستيك، وإن كانت في مزابل وجنبا إلى جنب مع الحمير والكلاب الضالة.
معاناة مع الصيف والشتاء
لا نفرح لا للشتا ولا للصيف»، يقول فطومي، ويضيف «ففي الشتاء ما أن تنزل قطرة ماء حتى يفيض علينا الواد الحار مما يضطرنا وفي كل مرة أن نقوم بنكسه وتفريغه بأيدينا حتى لا نغرق وسط أوحاله وقاذوراته، في غياب من يلبي نداءنا من المسؤولين، الذين ننتظر منهم إنقاذنا مما يهددنا ويهدد أطفالنا من أمراض جلدية عديدة».
ويضيف محاسن مصطفى «وفي الصيف نعاني من الانتشار المهول للحشرات والأفاعي والجرذان، مما يتسبب لطفلي الذي لا يتجاوز سنه السبع سنوات في أمراض، وأعجز بسبب عطالتي عن تطبيبه أو شراء أدوية له تحمي جسده النحيل من لسعات الحشرات التي توجد بكثرة بمحل سكناي وليتمكن من الالتحاق بأقرانه في المدرسة، حيث أقطن فيما يشبه الغرفة وسط مزبلة إلى جوار الحمير والأفاعي والطوبة وشنيولة والضفادع».
أصوات المقصيين
استقبلوا «المساء» وسط حذر وخوف كبيرين، اجتمعوا في «براكة» لا تتعدى مساحتها مترين أو ثلاثة، اقتعدوا أحجار، وتناوبوا في البوح بما يجثم على الصدور.
بؤس ذلك الذي ترتسم ملامحه على وجوههم، التي تنوب عنهم في سرد كل واحد لحكايته، التي لن يجد المستمع إليها اختلافا فيما بينها.
عبد الغني فطومي (عضو لجنة الحكماء في كريان طومة)، يقول لـ»المساء» : «تعرضت للاعتقال وقضيت مدة سجنية وصلت إلى 6 أشهر، فقط لأني اعترضت على هدم البراريك، لألتزم الصمت وأعاني وأطفالي إلى جانب ما يزيد عن 62 فردا يقطنون في بلوك 1 و80 في بلوك 2»، وإلى جانبه لعريش محمد، الذي حكم عليه بشهرين حبسا غير نافذ، يتذكر بألم وحسرة أخته التي أقبلت على الانتحار بعدما هدمت «البراكة» التي كانت تضمها وإخوانها وأسرتها، والتي فضلت الانتحار على العيش مشردة هي وإخوتها، يضيف محمد قائلا: «كنت بخيري وخميري واليوم أنا عاطل ومشرد بدون مأوى ولا عمل، كنت أعمل سودور، وحين هدمت البراكة حيث كنت أقطن وأسرتي سرق كل ما كنا ندخره للزمن وأصبحنا الله كريم».
وبدورها، تقول فيزة سبعان لـ»المساء»: «هدمت وشرد أطفالي، وزوجي لم يستطع توفير سومة الكراء، مما جعلنا نتخبط في صراع أسري دائم، أسفر عن قتل ابني الوحيد من قبل والده الذي ما يزال هاربا من العدالة إلى اليوم، بينما ابنتي الوحيدة تعاني من أزمة نفسية جراء معاينتها للجريمة التي ارتكبها والدها في حق أخيها الوحيد، واليوم أنا كاندور ما بين الخوت أنا وابنتي بدون سكن ولا مأوى».
تسلمت منها الكلمة ضرتها فاطنة فرح، التي حرمت بدورها من الاستفادة من السكن تعويضا لها على مسكنها الذي تم هدمه، وأوضحت «أعيش وأبنائي في مكازة نكتريها بـ1200 درهم شهريا وبها مرحاض.. أنام إلى جانب ابني البالغ من العمر 27 سنة.. لا أجد مساحة أمدد فيها رجلاي» وأضافت فاطنة «أعيش وأبنائي كالحيوانات في زريبة»، وتساءلت بعدما انهمرت الدموع من عينيها الحزينتين «لما يعاملوننا هكذا كالحيوانات، هل لأننا فقراء ولا حيلة ولا قدرة لنا على إيصال ندائنا وإنقاذنا ممن أضاع حقنا في سكن لائق يحفظ ماء وجهنا ويصون كرامتنا كأمهات مع أبنائنا..؟ وإن كنا فقراء فلدينا كرامة نعيش بها ولها» وختمت «دمروا حياتنا وشردوا أبناءنا ومازلنا ننتظر».
وقال سفيان بوستة، الذي يعاني من إعاقة في إحدى رجليه ويعيش رفقة ثلاثة من إخوته في غرفة آيلة للسقوط: «أنا وإخوتي لم يشملنا الإحصاء الذي تم سنة 2006، وبذلك فنحن محرومون من حقنا في السكن بالرغم من أننا من سكان الكاريان، بينما هناك من استفادوا رغم أنهم غير مقيمين وليسوا من سكان الكاريان، ولم يعانوا يوما مما عاناه آباؤنا ونعانيه نحن اليوم من قهر وظلم وفقر». ويوضح «نحن اليوم معرضون وفي أي لحظة إلى الفيضانات الناتجة عن تدفق مياه الواد الحار القادمة من أهل الغلام، مما قد يغرقنا وبراريكنا ويجعلنا نعيش وسط أوحال تجد فيها الحشرات والحيوانات بكل أنواعها مرتعا خصبا.
يأس وقلة حيلة
في كل مرة كنت أتحدث فيها إلى السكان الذين ما يزالون يجهلون مصيرهم وأبناءهم وما إذا كانوا سيستفيدون من حقهم في سكن يقيهم حرارة الصيف وقساوة برد الشتاء، كانت أدعيتهم ترفع بالقول: «شردونا واستغلوا فقرنا .. الله ياخذ فيهم الحق..».
أدعية وأسئلة وأمل ينبعث، وطلبات بضرورة مساءلة ومحاسبة كل رجالات السلطة المحلية والمجالس المنتخبة التي توالت على تسيير وتدبير ملف كاريان «طومة»، ما أن أعلن عن خبر هدمه -حسب إفادة السكان المتضررين لـ»المساء» -واستفادة قاطنيه من البقع الأرضية لأجل سكن يليق بهم وبأبنائهم، حتى تكالبت عليه أطماع لوبيات العقار، التي وجدت في مآسي الناس وفقرهم مرتعا خصبا للاغتناء.
هل من مستجيب؟
أسر تحمل صفة العائلات المكترية أو المركبة، تعيش في أقفاص وسط الأزبال بكاريان «طومة»، غير بعيد عنهم، ترابض حيوانات تعيش في انسجام تام، حمير، كلاب… كل شيء في كاريان «طومة» يحيلك على معاناة أسر هي من السكان القدامى، يتخبط أفرادها في مشاكل عدة، نتيجة عدم إيجاد حلول لهم.
هم الملقبون بـ»أصحاب المشاكل» أو يتهمون بأنهم لديهم مشاكل مع «الملاك»، بينما أكد جل من استفسرناهم من الذين يكترون براريك قصديرية، بأنهم يؤدون السومة الكرائية ولا مشاكل لديهم، متهمين القائمين على ترحيلهم وهدم براريكهم بالتلاعب والمجازفة بمصير عائلات معوزة،هي اليوم صريعة التشرد لحساب السكان الجدد، الذين لا تربطهم صلة بكريان طومة.
62 فردا ببلوك 1 و80 ببلوك2 يعانون في صمت، مادام السجن والاعتقال مصيرهم ومصير من خولت له نفسه الاحتجاج أو تنظيم وقفة بشارة سوداء يحملونها سواد اليأس والقهر والظلم الذي طالهم وطال أبناءهم وأمهاتهم.

