بعد اتساع دائرة الإضراب بانضمام شريحة دكاترة التربية الوطنية وأساتذة التعليم العالي ومستخدمي الماء إلى “أسبوع الإضراب” الإنذاري والاستثنائي، الذي تخوضه عدد من المركزيات النقابية بالوظيفة العمومية والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية، استنكارا للسياسات التراجعية للحكومة وضرب القدرة الشرائية للمغاربة، مما ينذر بغليان غير مسبوق مع الدخول الاجتماعي الحالي، أصبح السؤال المطروح وبقوة هو: لماذا لم تتحرك الحكومة حتى الآن لتتعامل بالجدية المطلوبة:
مع مطالب المركزيات والنقابات القطاعية التي دعت إلى الإضراب، وتجلس إلى طاولة الحوار معها من أجل نزع فتيل المواجهة الساخنة الجديدة التي تضرب الشارع المغربي، في ظل ما تعانيه الاسر المغربية من جراء التكاليف الباهظة للدخول المدرسي وعيد الأضحى، وعلى إيقاع إجراءات وقرارات حكومية انفرادية زادت من تعقيد الواقع المعيشي للمغاربة، بسبب استمرار الزيادة في أثمان المواد الأساسية خاصة المحروقات. ومع موضوع القانونين التنظيميين للإضراب والنقابات، اللذين لا زالا محتجزين لدى الحكومة، بحيث إن استمرار الوضع القائم حاليا بشأن معالجة تداعيات وانعكاسات الإضرابات القطاعية والإضراب العام، عبر اللجوء إلى الاقتطاع من أجور المضربين، لن يؤدي إلا إلى مزيد من التصعيد والاحتقان مع ممثلي الأجراء، والدفع نحو تفويت الفرصة تلو الأخرى من أجل التوصل إلى تفاهمات حقيقية حول الملفات المطلبية المتعددة، وكذا حول السياسات الواجب اتباعها في ما يتعلق بإصلاح نظام التقاعد. إن سياسة الشد والجذب التي تنهجها الحكومة لن تسفر إلا عن مزيد من المواجهة التي من شأنها تكليف الاقتصاد الوطني خسائر مالية بالملايير من السنتيمات، في ظل تداعيات أزمة عالمية لا زالت تنزل بثقلها عليه وتعوق نموه وتضعف من تنافسيته، وتغرقه في مزيد من المديونية، وبالتالي فإن عدم إخراج القوانين المتعلقة بتنظيم الإضراب وعمل المركزيات النقابية، تفاديا لأي تأويل خاطئ أو تفسير مغلوط لحق دستوري صوت عليه عموم المغاربة هو حق الإضراب، كوسيلة مشروعة وقانونية للدفاع عن مطالب وحقوق المضربين، سيساهم لا محالة في خلط الأوراق وسيسمح للحكومة بالمناورة كعادتهاوالبحث عن ذرائع لتبرير سياساتها الاجتماعية الفاشلة، عبر الاقتطاع من أجور المضربين بحجة الغياب عن العمل، والذي تسبب في الرفع من وتيرة المواجهة بين الطرفين، وخلق جدلا دستوريا وقانونيا وسياسيا حتى الآن حول مشروعيته، في وقت تصر الحكومة على تطبيقه، دون اعتبار لأي انعكاسات سلبية قد تكون سببا في مزيد من الاحتقان والتوتر. إن عدم الإسراع بإخراج مشروع القانون التنظيمي للإضراب والقانون التنظيمي للنقابات، يجعل الحكومة تتحمل المسؤولية كاملة عن هذا التأخير غير المبرر، والذي يعني في عمقه أنها لا تملك الشجاعة وروح المسؤولية في تدبير هذا الملف، الذي هو جزء لا يتجزا من عملية التنزيل الديمقراطي السليم لمقتضيات الدستور. فمسألة الاقتطاع من أجور المضربين وغيرها من الإجراءات العقابية التي قد تتخذها الحكومة اليوم أوغدا لن تحل الإشكالية القائمة، إشكالية الفشل في تسوية كل الملفات المطلبية، وعدم امتلاك الحكومة للإرادة السياسية الحقيقية، لإرساء قواعد حوار اجتماعي مؤسساتي مجدول زمنيا وموضوعيا مع الأطراف الاجتماعيين، بغية التوصل إلى أرضية مشتركة حول الخيارات الكفيلة بتجاوز المأزق الحالي. فالأمر في كليته مرهون بمدى الإسراع بإخراج القانونين التنظيميينللإضراب والنقابات، اللذين هما جزء من منظومة مشاريع قوانين تنظيمية تصل إلى 15 قانونا تنظيميا، لا تحتمل الانتظار إلى ولاية حكومية أخرى، حيث ارتأى المشرع تكليف الحكومة بها وألزمها صراحة بذلك،باعتبارها السلطة التنظيمية المطالبة بإخراجها قبل نهاية ولايتها الحالية، كي لا تظل حبيسة، كما كان الأمر مع دساتير سابقة، بعد أن نص الفصل 86 من الدستور على ذلك بوضوح تام. فمتى تتحرك الحكومة لتخرج هذين القانونين واللذين وعدت منذ سنتين بإخراجهما إلى حيز الوجود؟ إن الحديث عن “مساعي متواصلة من أجل إخراج مجموعة من النصوص التشريعية الهامة، بتشاور مع الشركاء الاجتماعيين، كالقانون التنظيمي لممارسة حق الإضراب وقانون النقابات المهنية والقانون المتعلق بالصحة والسلامة المهنية في القطاعين العام والخاص وقانون التعاضد”، سيبقى مجرد صيحة في واد، إذا لم تتخل الحكومة عن منطق التسويف والتأجيل والمناورة، وتبحث بجدية عن مخرجات لا تنسجم مع ضرورة التفاعل مع ما يجري الآن على الأرض من تحرك اجتماعي غاضب، وتعمل على استدعاء النقابات لبحث الخلافات والوصول إلى تفاهم مشترك حول مخارج الحل الواقعي الذي يحقق مطالب الأجراء ويجنب البلاد حالة الاحتقان الراهن التي من شأنها عرقلة حركة الاقتصاد الوطني ونموه. فمتى تخرج الحكومة عن صمتها أو بالأحرى متى يخرج رئيسها عن صمتهويبادر إلى تحمل مسؤوليته السياسية والأخلاقية تجاه الطبقة العاملة وعموم الموظفين، ويضع حدا لمواقفه العنترية والشعبوية، ويقدم ما يبث الطمأنينة في النفوس ويخفف من حدة الصراع القائم مع الفاعلين الاجتماعيين بدل لغة التهديد والوعيد ؟
المصدر: رسالة الأمة نشر في رسالة الأمة

