نهاية الأسبوع الماضي أعلن الناطق الرسمي باسم الحكومة تبعا لمعلومات استخباراتية وردت على وزارة الداخلية عن وجود تهديدات إرهابية جدية للمغرب، وأن الأجهزة الأمنية رفعت درجة اليقظة والتأهب إلى أعلى المستويات لمواجهة هذه التهديدات.
والحقيقة ليست هذه هي المرة الأولى التي يتلقى فيها المغرب تهديدات من تنظيمات إرهابية، فقد سبق لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي أن هدد المغرب أكثر من مرة كان آخرها الشريط الأخير الذي هدد بعمليات تستهدف مؤسسات الدولة الحيوية ورموزها. بيد أن التهديد الأخير له خصوصية، فالأمر صادر عن تنظيم الدولة الإسلامية في الشام والعراق “داعش” الذي تطرح العديد من الأسئلة عن سياق ميلاده وهويته “الجهادية” والطفرة الغامضة التي حكمت تطوره في بلاد الشام والعراق، كما يأخذ هذا التهديد جديته بكون العديد من المقاتلين المغاربة التحقوا بهذا التنظيم وتقلدوا فيه مسؤوليات قيادية وعسكرية وتنظيمية. بمعنى، أن المغرب لا يزال موضوعا ضمن خانة الاستهداف الإرهابي، وأن درجة التهديد تزداد جدية بحكم سهولة الارتباطات التي في الغالب ما تعين على تحقيق بعض الاختراقات. هذه الخلاصة المركبة تثير العديد من الأسئلة التي تحتاج إلى جواب متأن، بعضها سبق طرحه ولا يزال له راهنية، من قبيل ما السبب الذي يجعل التجنيد للتنظيمات الإرهابية يجد له أرضية داخل المغرب، وبعضها متجدد يرتبط بالسبب الذي جعل المغرب دون غيره ينال كل هذه الأولوية في مخططات التنظيمات الإرهابية ذات الأجندة المعولمة؟ لن نتناول اليوم بالتحليل سؤال تجنيد المغاربة، فقد سبق أن تناولنا الموضوع سابقا وبسطنا وجهة نظرنا في الموضوع، لكن ما يهمنا اليوم، هو السؤال الثاني المرتبط بسبب جعل المغرب في أولوية أجندات التنظيمات الإرهابية المعولمة. التقدير أن المغرب يعيش حالة فريدة في العالم العربي لا توجد فيها مبررات ميلاد تنظيم إرهابي محلي، فقد جرت عادة هذه التنظيمات أن تنشأ وتبرر ميلادها بحالة الصدام التي توجد بين الدولة والمجتمع، أو بين الدولة ومكونات الحقل السياسي، إذ تؤدي البيئة السياسية المغلقة إلى مصادرة الحريات وعرقلة أي فرصة للإدماج السياسي للنخب السياسية مما يجعل الأحزاب برمتها فاقدة للحجة التي تستعملها في التأطير المجتمعي من داخل البيئة السياسية، فتستفرد التنظيمات الجهادية بالساحة. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فقد استغلت هذه التنظيمات حالة الإحباط التي نشأت بفعل التوتر الموجود بين أنصار رياح التغيير وأنصار عودة الاستبداد، واستغلت خريف الديمقراطية في بعض الدول لتبرر ميلادها وتناسل مكوناتها والهيمنة على مساحات الاستقطاب التي كانت تشغلها المكونات المشاركة في البيئة السياسية. من حسن حظ المغرب أنه لم يعرف الحالتين معا، فلا الدولة توجد اليوم في صدام مع المجتمع أو مع مكونات الحقل السياسي، ولا المسار الذي أخذته يتجه في شكل معاكس لمتجهات رياح التغيير، فالمغرب فضل الطريق الثالث في التعاطي مع الحراك الديمقراطي، واختار معادلة الإصلاح في ظل الاستقرار، واختار التعاقد السياسي مع المكونات السياسية والمجتمعية للاستمرار في الإصلاحات بشكل توافقي لا يضر بقواعد الاستقرار، ولهذا السبب يعيش اليوم حالة فريدة في استقراره وأمنه، وفي جاذبيته للاستثمار الأجنبي، بدليل أن اقتصاده وسياحته بدأت تنتعش بشكل مطرد هذا في الوقت التي تعيش فيه كل بلدان الربيع العربي حالات كساد مدمرة بسبب تداعيات الصدام بين الدولة والمجتمع والصراع على ترتيب السلطة. بناء على هذه الخواص، يظهر أن الاستهداف للمغرب هو استهداف لنموذجه الإصلاحي الديمقراطي، وهو بالمناسبة لا يخص فقط التنظيمات الإرهابية التي ظلت لمدة طويلة تبحث لها عن أرضية داخل المغرب فلم تتمكن من ذلك بسبب قوة النموذج المغربي والمقاربة الأمنية الاستباقية التي انتهجها المغرب ومكنته من تفكيك العديد من الخلايا الإرهابية قبل أن تقوى على ترتيب أجنداتها الإرهابية، وإنما قد يهم جهات أخرى لا يدخل في تقديرها المصلحي والاستراتيجي وجود دولة عربية مستقرة وتتجه نحو الديمقراطية بشكل توافقي. بناء على هذه الخلاصات، نقدر أن جواب المغرب عن التهديدات الإرهابية هو استمرار في تعزيز مفردات هذا النموذج والحذر من أي حالة نكوص عنه، والمضي خطوات متقدمة ومتئدة في المسار الديمقراطي، والاستمرار في نهج نفس المقاربة الأمنية الاستباقية مع رفع حالة اليقظة والحذر، مع التركيز في المرحلة القادمة على إنتاج استراتيجية تتفرع عنها سياسات شمولية ومندمجة توجه بالأساس لمواجهة محددات وأسباب سهولة تجنيد المغاربة للتنظيمات الإرهابية.
المصدر: بلال التليدي نشر في التجديد



