منذ زمن بعيد ظل الكتاب يلعب أدوارا طلائعية في حياة الإنسان، ويساعده على التعرف على نفسه وعلى الآخرين. وعلى مر العصور ظهرت ملايين الكتب التي تم تداولها بين الناس، ولكن الكتب التي حافظت على رونقها واخترقت الأزمة والأمكنة قليلة. والسبب في ذلك راجع إلى أن القراءة حاجة قبل كل شيء، ومن ثم فإن القارئ هو من يمنح الكتاب عمرا مديدا أو يقوم بوأده بمجرد ظهوره. وتلك الحاجة تمليها السياقات المختلفة للقارئ الذي يبحث عن أجوبة مقنعة لأسئلته الكثيرة عما يحيط به. فما الذي يجعل كتابا رأى النور منذ قرون موضوع اهتمام كبير؟ وما الذي يجعل كتابا حديث العهد محل إهمال كبير؟ وحدها «أمهات الكتب» هي التي تحافظ على راهنيتها وتخترق الأزمنة والأمكنة لتحيى بين الناس.
لا يمكن تقدير حجم الأهمية التي حظي بها كتاب «فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من اتصال» إلا باستحضار الإشكالية التي ظل الفكر العربي الإسلامي يتخبط فيها: إشكالية النقل والعقل. إشكالة «العقل والنقل» هي التي وجهت ذلك الفكر منذ القديم، وحولها اختلف الفقهاء والمتكلمون، وبها يمكن أن نميز اتجاهاتهم ومشاربهم. مصدر الإشكالية باختصار شديد نابع من طبيعة النص الديني، الذي يعد المصدر الأول للتشريع في الإسلام، فهو ليس كتابا في العبادات والطقوس الدينية فقط، وإنما هو «تشريع» للدولة الإسلامية، اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا.
ومن ثم فإن المسلمين ظلوا حريصين على تمثله في كل ممارساتهم الحياتية. وكلما تطور المجتمع طرح على المسلمين تحد كبير يتمثل في البحث عن صورة له في القرآن الكريم بما يجعله صالحا لكل زمان ومكان. هذا التقاطع بين النص الثابت والواقع المتطور هو ما سؤدي إلى «توسيع» مجال فهم النص كي يستجيب لشروط المجتمع الجديد، والطريقة الوحيدة لتحقيق التطابق بين النص الديني وبين المجتمع هو التأويل. والتأويل لا يعني فتح الباب على مصراعيه كي نقوّل النص ما لم يقله، وإنما لا بد من قرائن تسوغ هذا الفهم أو ذاك لهذه الآية أو تلك. والذي يبحث عن هذه القرائن ويصوغها ويسوغها هو العقل الذي ينتج آليات التأويل. وكل تأويل هو في البدء والختم قراءة، وكل قراءة هي فهم خاص للنص…
هكذا وجد العرب أنفسهم مند أول عهدهم بالإسلام أمام ثنائية العقل (اعتماد تأويل النص) والنقل (اعتماد منطوق النص)، وقد نتج عن هذا اتجاهات في التفسير متعددة، وأفرز فرقا كلامية مختلفة. ومن هنا أضحت «تخريجات» المفسرين و»مسائل» المتكلمين و»شطحات» المتصوفين من تجليات التأويل.
وعلى الرغم من أن العرب المسلمين اطلعوا على الفلسفة اليونانية منذ القديم بفضل حركة الترجمة التي كانت تحظى بدعم من الدولة الإسلامية منذ بداية العصر العباسي في القرن الثاني الهجري، فإنهم استفادوا من آليات التفكير الفلسفي ولم يقحموا الفلسفة في ذلك الصراع الفكري الذي كان محتدما بين المتحمسين للعقل والمتعصبين للنقل. ومن هنا ظلت الفلسفة بمنأى عن الصراع الفكري المباشر الذي أخذ طابعا دمويا في بعض مراحله التاريخية.
أهمية كتاب ابن رشد «فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من اتصال» تكمن في أنه أدخل الفلسفة في معادلة النقل والعقل، أي أنه عمل على عقد تصالح بين «الشريعة» و«الحكمة». الشريعة التي تمثل المجتمع، والحكمة التي تمثل الفلسفة. ومن ثم يمكن النظر إلى «فصل المقال» باعتباره خطوة ترمي إلى بناء تصور جديد للعلاقة بين الدين والمجتمع، بشكل يجعل الكتاب متجاوزا للمشروع الفقهي، وللمشروع الكلامي معا. وهما المشروعان اللذان ظلا يحتكران مدارسة الدين ويضعان التوجهات الكبرى لفهمه وتطبيقه. على أن هذه العلاقة بين «الشريعة» و»الحكمة» لا تتأسس على التوفيق بين الطرفين، وإنما تنبني على التكامل بينهما.
إن المدخل الأول لبناء هذه العلاقة هي مقولة «الحق» التي تمثل الهدف المشترك للفلسفة والدين معا، و»الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد عليه»، كما قال ابن رشد. وإذا حدث ووجد اختلاف بين ما أدى إليه البرهان، وظاهر الشرع، فإن «ذلك الظاهر يقبل التأويل» وذلك بـ»إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية»، من غير أن يخل ذلك بعادة لسان العرب في التجوز من تسمية الشيء بشبيهه أو بسببه أو لاحقه أو مقارنه أو غير ذلك من الأشياء عددت في تعريف أصناف الكلام المجازي». واضح إذن أن آلية التكامل بين «الشريعة» و»الحكمة» تكمن في التأويل، الذي من شأنه أن يضفي المعقولية على الخطاب الديني بشكل يجعله يواكب التحولات الاجتماعية. ولذلك فإن مفهوم «الشريعة» لدى ابن رشد يبدو مرادفا للمجتمع.
يعلن ابن رشد منذ بداية الكتاب أهدافه الكبرى من تأليفه فينص على أن «الغرض من هذا القول أن نفحص، على جهة النظر الشرعي، هل النظر في الفلسفة وعلوم المنطق مباح بالشرع أم محظور»؟ ويلاحظ من هذا الإعلان أن المؤلف يريد أن يفحص العلاقة بين الفلسفة والشريعة، ولكنه لا ينطلق من الفلسفة ليشيد العلاقة بينها وبين الشريعة، بل يعتمد الأحكام الشرعية في علاقة التكامل التي دعا إليها بين المجالين.
ومن هذه الزاوية فإن أبا الوليد ينهج أسلوبا بيداغوجيا ناجعا ينهض على ما يعتبره المجتمع قناعات مسلما بها، كي يصل في النهاية إلى الفوائد الكبيرة التي يمكن أن تجنيها «الشريعة» من الفلسفة. ولا غرابة في ذلك لأن صاحب «فصل المقال» ينطلق من موقعه الاجتماعي كفقيه وقاض، أي من داخل الشريعة الإسلامية ووفق معاييرها وأحكامها. ولذلك نراه وهو يعمل جاهدا على تسويغ العلاقة التكاملية بين الدين/الشريعة، وبين الحكمة/الفلسفة ينطلق من موقع الفقيه وليس من موقع الفيلسوف. يشهد على ذلك استعماله لجهاز مفاهيمي ينتمي إلى الفقه أكثر مما يمت إلى الفلسفة بصلة، ومن هنا عمل على إبراز ما يمكن أن تقدمه الفلسفة إلى الشريعة من «خدمة».
وهذا بالضبط ما يدخل المعرفة الفلسفية في باب الواجبات: «فقد يجب علينا إن ألفينا لمن تقدم من الأمم السالفة نظرا في الموجودات واعتبارا لها بحسب ما اقتضته شرائط البرهان، أن ننظر في الذي قالوه من ذلك وما أثبتوه في كتبهم. فما كان منها موافقا للحق قبلناه منهم، وسررنا به وشكرناهم عليه. وما كان منها غير موافق للحق نبهنا عليه وحذرنا منه وعذرناهم».
وعلى ضوء ما سبق رأى ابن رشد أن معرفة الفلسفة واجب شرعي، ذلك أن «النظر في كتب القدماء واجب بالشرع إذا كان مغزاهم في كتبهم ومقصدهم هو المقصد الذي حثنا الشرع عليه». ولا يكتفي ابن رشد بالقول بوجوب المعرفة الفلسفية، بل يصفي حسابا قديما مع بعض الفقهاء والمتكلمين وعلى رأسهم الإمام أبو حامد الغزالي، الذي أخذ عليه أنه «لم يلزم مذهبا من المذاهب في كتبه، بل هو مع الأشعري أشعري، ومع الصوفية صوفي، ومع الفلاسفة فيلسوف»، فيؤكد على أن من نهى عن النظر في كتب القدماء إنما «صد الناس عن الباب الذي دعا الشرع منه إلى معرفة الله. وهو باب النظر المؤدي إلى معرفته حق المعرفة. وذلك غاية الجهل والبعد عن الله تعالى».
وإذ تبين الدافع إلى «النظر في كتب القدماء» وهو تعبير يشار به إلى الفلسفة اليونانية، من أجل الوصول إلى «الحق» الذي هو غاية الفلسفة والفقه على حد سواء، فإن الطريق إلى الجمع بين المجالين ضمن علاقة تكاملية وليس ضمن علاقة توفيقية، هو التأويل باعتباره آلية لقراءة النص. وقد خص ابن رشد «أحكام التأويل» بقسم من كتابه. ومعنى «التأويل» عند أبي الوليد «إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية من غير أن يخل ذلك بعادة لسان العرب». ولكنه يضع حدودا للتأويل حين يقر بأن في النصوص الدينية ما يؤول، وما لا يؤول. كما يصنف الناس إزاء التأويل إلى ثلاث فئات: فئة لا يصح لها أن تؤول وهي العامة، وفئة تتبنى التأويل الجدلي، وهم علماء الكلام، وفئة تعتمد التأويل اليقيني، وهم البرهانيون والفلاسفة.
هكذا يقف ابن رشد في «فصل المقال» ضد القراءة الحرفية للدين، كما يقف ضد القراءة الوظيفية له. من أجل ذلك رأى في القراءة الحرفية التي تعبر عنها «الظاهرية» انغلاقا وتزمتا، ووجد في القراءة الوظيفية التي يعتمدها المتكلمون بعدا سياسيا. وإن ما يتبناه ليس سوى «القراءة العلمية» التي تستعين بالبرهان والعقل من أجل بناء خطاب ديني منفتح على العلوم الأخرى، وعلى الفلسفة بوجه خاص، في حدود البحث عما يسميه «الحق». وبهذا يكون قد فتح أفقا جديدا للاجتهاد، وهو الأفق الذي سيتوضح بشكل جلي في كتابه «الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة» الذي ألمح إلى رغبته في تأليفه في «فصل المقال».
لعل هذه الرؤية التي كان تبناها ابن رشد ويدافع عنها كانت سببا في تعرضه لمضايقات كثيرة في حياته وبعد موته. فقد حوكم ونفي إلى أليسانة التي تقع قرب قرطبة، في عهد المنصور الموحدي، وكانت التهمة المعلنة التي وجهت إليه هي «الانشغال بكتب الأوائل»، وهي إشارة إلى إدمانه على قراءة الفلسفة والمنطق والتأليف فيهما.
حسن مخافي

