ثمة ملاحظات مهمة على مشروع القانون المتعلق بمزاولة الطب، بعضها إيجابي ينبغي تثمينه، وبعضها الآخر لا يزال يتضمن ثغرات كبيرة تحتاج إلى أن يدقق فيها النظر وتؤطر بما يكفي من القيود التي تدفع هذا المشروع إلى أن يؤتي ثمره على أحسن وجه.
ينبغي أن نثمن في هذا المشروع أربعة نقاط أساسية، الأولى تتمثل في فتح المجال أمام غير الأطباء لإنشاء مصحات بقيود قانونية تجعل مسؤولية الإدارة الطبية بيد الأطباء، والذي من شأنه أن يقوي الاستثمار في القطاع الصحي بعدما عجزت القوانين التي حصرت هذا الأمر بيد الأطباء في تغطية المصحات للخارطة الصحية بالمغرب، والثاني هو إقرار مبدأ التنافي بين إنشاء وتسيير المصحات والمؤسسات الممثلة وبين التأمين، وهو الخيار القانوني الذي يسد الباب أمام استحواذ مؤسسات التأمين على المصحات الخاصة، وتحويلها إلى مقاولات تجارية تجمع بين اللبن والزبدة، والثالث، وهو المرتبط بإقرار آلية التفتيش ومن غير سابق إنذار في العيادات والمصحات وترتيب عقوبات واضحة على الإخلالات بالشروط القانونية والتنظيمية المنصوص عليها، وكذا حظر جملة ممارسات مخالفة للقانون اعتادت المصحات الصحية عليها في مخالفة صريحة للقانون ومن ذلك الضمانات و”النوار” وغيرها. أما الرابع، فهو المرتبط بإقرار لجنة للأخلاقيات داخل المصحات لاتخاذ القرار السريري الموافق لأخلاقيات المهنة. من هذه الجهة، يمكن القول بأن هذا المشروع جاء ليعزز بعض المقتضات القانونية السابقة، وينص على الآليات الرقابية المضبوطة، كما حدد بدقة المقتضيات الزجرية في حالة ارتكاب المخالفة والإصرار عليها. لكن، المشكلة في هذا المشروع، أنه لم يقيد قضية إنشاء المصحات الخاصة برأسمال من القطاع الخاص من غير الأطباء باحتياجات الخارطة الصحية، وهو ما يمكن أن يعزز الاختلال المتواجد في هذه الخارطة لجهة المزيد من الاستثمارات في المدن الكبرى وتهميش وحرمان المناطق الأكثر حاجة. وتزيد إلى هذه المشكلة مشكلة أخرى، تتعلق بالترخيص للطبيب الأجنبي بمزاولة الطب لفترة مؤقتة مدتها شهر واحد في التخصصات غير المتوفرة بطلب من المسؤول عن المصحة وذلك بدون تأطير ذلك بنص تنظيمي يحدد التخصصات غير المتوفرة في المغرب، ولا بالعقوبات التي تترتب في حالة الإخلال بهذا الشرط، لاسيما وأنه لا وجود لضمانات بأن هذا الطبيب يمكن أن يزاول الطب في غير مجال التخصص الذي رخص له. فإذا أخذنا بعين الاعتبار إمكانية استثمار أجانب في هذا القطاع، وهو الأمر المرجح بقوة، فإن هذا النص القانوني المجرد من أي قيود يطرح علامات استفهام كثيرة و التباسات نرجو أن يتم رفعها بتشدد قانوني مثيل لنصوص أخرى أحيطت بصرامة كبيرة. المشكلة الثالثة مرتبطة بالقدرة على المراقبة والتفتيش والافتحاص، فقد كان القانون السابق المتعلق بمزاولة الطب يتضمن هذه الآليات وينص على المخالفات بشكل صريح، ويرتب عليها العقوبات الزجرية، لكن واقع المصحات في المغرب يؤكد استمرارها وبشكل فيه كثير من التحدي في ارتكاب هذه المخالفات التي يدفع ثمنها المواطن المغربي والتي تعجز الوزارة الوصية عن القيام بالمتعين في حقها. المشكلة الرابعة، وهي المتعلقة بضمانات عدم تحويل هذه المصحات إلى ممارسة تجارية أكثر ابتزازا. نعم نص القانون على أن غرض إنشاء هذه المصحات ليس ربحيا، ونص أيضا على ضرورة إنشاء لجنة أخلاقيات المهنة داخل المصحات لاتخاذ القر ار السريري الموافق لأخلاقيات المهنة، ونص أيضا على آلية الرقابة والتفتيش، وعلى العقوبات التي تصل حد إحالة المدير الطبي إلى المجلس التأديبي والمتابعة القانونية وإقفال المصحة، لكن، وعيا بمحدودية قدرة الدولة على المراقبة والتدخل، يطرح سؤال الضمانات التي يمكن أن تجعل الولادة القيصرية في المصحات لا يلجأ إليها إلا اضطرارا، خاصة وأن الأرقام المسجلة في الولادات القيصرية في المصحات الخاصة تبعث على القلق، ونفس الأمر يقال بالنسبة لتدخلات طبية مختلفة غير الولادة نعم، هناك ضرورة لفتح الاستثمار في القطاع الصحي لغير الأطباء، وهناك وعي أيضا بأن هذا سيفتح المجال للوبيات ضاغطة تبحث عن الربح في هذا المجال الحيوي، وهناك قبل ذلك وعي بأن قدرة الدولة على تدبير التغطية الصحية محدودة، وأن بطاقة الراميد أصبحت في كثير من الأحيان بطاقة من غير مفعول، وأنه ليس هناك خيار سوى المضي في هذا المسار الذي من المؤكد أنه لن يعرف وضعا سليما في المرحلة الأولى، لكن الأمل في هذا المشروع أن يضع الأسس التي تمنع استمرار الوضع غير السليم لمرحلة طويلة، ومن ذلك العمل على وضع النصوص القانونية التي تمنع تغول المصحات الصحية على الدولة باسم تحملها لأعباء الصحة بالمغرب نيابة عن الدولة، إذ ما الفرق بين المقاولات المغربية التي ترفض كثير منها تطبيق مدونة الشغل بدعوى أنها ترفع العبئ عن الدولة وتشغل ما يزيد عن تسعين في المائة، وبين مصحات خاصة تفعل الآن وستفعل مستقبلا نفس الشيء مع المقتضيات القانونية وستقول بأنها تتحمل عبء الخدمات الصحية عن الدولة لاسيما إن كان المستشفى العمومي يعيش الوضعية المأساوية التي يعرفها اليوم.
المصدر: بلال التليدي نشر في التجديد

