يهاتفني عدد من الأصدقاء هذه الأيام ويأسفون لحالي، إنهم يعتقدون أنني أصبحت أعيش في مغارة. يسألونني.. يا عبد الله.. هل طردك صاحب المنزل لأنك لم تستطع أداء الإيجار فصرت تسكن في مغارة؟ فأجيبهم بأني أؤدي الإيجار بانتظام وأعيش في منزل عادي رغم أني أحب المغارات.
لكنهم يلحّون على أن شيئا غريبا يسمعونه في هاتفي.. يقولون إنهم يسمعون أصداء أصواتهم تتكرر كما تتكرر أصوات من يدخل مغارة سحيقة بلا قرار. يقولون لي: لا باس؟ فيعاد إليهم صوتهم.. لالالاباباباااااسْسْسْ. ويقولون: ألـُو.. فتجيبهم المغارة: ألُلللُلووووووو… والغريب أن منهم من يبالغ ويقول إنه يسمع صوت الوطواط.
أحد الأصدقاء طلب مني أن أصلح هاتفي، وأنا أعتقد أن الهواتف متساوية في المغارات كأسنان المشط، وسواء تكلمت في هاتف من زمن «ألكاطيل» الذي يشبه حبة بطاطس، أو تحدثت في زمن سامسونغ 8، فلا شيء يمنع المغارة من دخول هاتفك، أقصد لا شيء يمنع هاتفك من دخول المغارة.
هناك أصدقاء أذكياء أكثر من اللازم يتحدثون معي في الهاتف ويضحكون ويقولون لي: شوف.. الخوتْ راهم مْعانا دابا. لكني لا أفهم معنى كلامهم. أنا ثقيل الفهم في الأشياء التي تتطلب ذكاء خارقا.
دائما أضحك من أولئك المصابين بالوسواس القهري الذين يعتقدون أن جهات خفية تتبع حركاتهم وسكناتهم وتتنصت على هواتفهم، مع أنهم يمضون وقتهم في نميمة المقاهي وتبادل المناقرات حول البارصا وريال مدريد، ودائما أسألهم لماذا تريد الجهات المعلومة التصنت على مكالماتهم، هل من أجل معرفة تشكيلة الكلاسيكو المقبل؟
لكن ينبغي أن أعترف بأني بدأت أصاب ببعض الوسواس، وهو لعلمكم مجرد وسواس لا أقل ولا أكثر، فصوتي يعود إلي في الهاتف وكأني أرمي بلساني نحو حائط فيعود نحوي. لكن حاشا أن أتهم جهات ما بإدخال هاتفي إلى مغارة، لأن المشكلة هي أني أستعمل هاتفا قديما اشتريته قبل عامين بألف درهم، ودائما أملؤه ببطاقات التعبئة حين تكون مضاعفة سبع مرات، كما لا أفلت أية مناسبة لملئه بساعتين من الكلام بعشرين درهما لا غير، لذلك فإن عبد السلام أحيزون سعيد جدا بزبون رائع مثلي، ودائما يبعث إلي التهاني في عيد الفطر وعيد الأضحى وعاشوراء ورأس السنة الهجرية والميلادية والأمازيغية ويقول لي حرفيا وحصريا.. «اتصالات المغرب تتمنى لك عيدا سعيدا وبموفور الصحة والعافية».. شْكون بْحالي إذن؟
عادة، لا أتحدث كثيرا في الهاتف لأن الطبيب نصحني بذلك، ومن سوء حظي أني عندما أرد على رقم مجهول أجد، مثلا، صوت امرأة مرعوبة تطلب مني أن آتي بسرعة إلى العمارة لالتقاط صور لامرأة مجنونة تضع الأزبال على أبواب الجيران، ثم تطلب مني أن أضع الخبر في الصفحة الأولى. أعدها خيرا ثم أستعير من الفرزدق كل قاموس الشتائم وألعن الذين اخترعوا الهاتف المحمول.
الصحافيون عادة ما يعتقدون أن هواتفهم مراقبة ليل نهار، لكن هذا شيء لا مفر منه لأنه ينبغي حمايتهم. ماذا سيحدث، مثلا، لو أن مخبولا اتصل بصحافي وهدده بالقتل؟ أكيد أن الجهات التي تحمينا يجب أن تكون على علم بكل شيء. وأنا تلقيت مرة اتصالا من شخص كاد يقصفني بمدفع عبر الهاتف لأنني لم أكتب عنه أنه المهدي المنتظر. فهذا الرجل جاء عندنا مرة إلى المكتب وعاتبنا كثيرا لأننا لم نعره أي اهتمام، رغم أن معجزاته لا تـُحصى، أولاها أنه يستمع إلى إذاعة وهران ويمشي محاطا بمخلوقات فضائية.
أوهام الصحافيين بلا حدود، فهم يعتقدون أن جهات ما تتنصت عليهم من أجل معرفة مصادر أخبارهم، مع أن القضية في البداية والنهاية تشبه حكاية «انت مْعانا ولاّ مْعاهُم؟»..
الصحافيون، الله يهْديهم، لا يعرفون أن التنصت لا يستهدفهم بالمطلق، بل هم مجرد وسيلة لاصطياد كبار الفاسدين، والدليل على ذلك هو أن الفساد انتهى نهائيا في هذه البلاد.. انظروا حولكم ولن تجدوا حالة فساد واحدة، فالجهات المعنية ما إن تسترق السمع إلى مكالمة تتعلق بحالة فساد حتى تسارع إلى القبض على الفاسدين وتزج بهم مباشرة في السجون، لذلك فإن المشكلة أصبحت هي أن الصحافي لم يعد يجد ما يكتب عنه لأن الفساد انتهى. إنها مشكلة حقيقية.
لذلك، أيها الأصدقاء الأعزاء، إذا اتصل بي أحد ووجد أن صوتي يأتي من داخل مغارة، فالسبب لا يتعلق بلعبة المخابرات.. أو «المخابزات»، بل السبب كله يعود إلى الأزمة التي تعاني منها دولة السويد الشقيقة، التي تراجعت كثيرا في مجال تكنولوجيا هواتف «نوكيا»، ذلك أنها صارت تستخدم قطع غيار صينية، من نفس الطراز الذي يـُستخدم في «السّخانات» القاتلة، فلا تسيئوا الظن إذن.. رغم أنه من الحزم سوء الظن.



