تشكل زيارة الأمير مولاي رشيد على رأس وفد هام
لتونس
موقفا تاريخيا عن مساندة المغرب
لتونس
في مساعيها لتثبيت الاستقرار الأمني والاجتماعي والاقتصادي، حيث عرفت
تونس
منذ ثلاث سنوات قلاقل عديدة واضطرابات محرجة كادت تذهب بالدولة ومؤسساتها، وبالتالي يعتبر التوافق على دستور ديمقراطي خطوة تاريخية في طريق البناء الديمقراطي، وتمثل زيارة الأمير مولاي رشيد دعما
لتونس
في هذا الاتجاه. وليس شيئا غريبا على المغرب أن يشارك
التونسيين
فرحتهم بهذا الإنجاز الذي يدخل في سياق بناء الدولة الديمقراطية، باعتبارها أحد أهم مطالب الربيع العربي، والمغرب لا ينزعج من هذا المفهوم لأنه تفاعل معه بطريقته الخاصة والسلسة التي لا تترك آثارا اجتماعية وسياسية سلبية. فالمغرب اختار طوال تاريخه التضامن مع الشعوب العربية، وساند مطالبها المشروعة، وظل المغرب متمسكا بالوحدة الترابية للبلدان العربية، ويعتبر المغرب من بين البلدان العربية القليلة التي تدعو إلى السلم والأمن والآمان وتضع البرامج والخطط لاستتبابه. وأصبح المغرب نموذجا في رعاية مصالح المواطن والاستجابة للمطالب الشعبية، بل أصبح المغرب استثناء في العالم العربي والإسلامي بحكم أن الثورة فيه لا تتم إلا باجتماع الملك والشعب، ومثل خطاب التاسع من مارس الداعي إلى إصلاحات دستورية عميقة محطة جديدة من محطات ثورة الملك والشعب، ولا تقوم للثورة قائمة في المغرب إلا إذا كانت مجتمعة. فالمغرب أقدم على إصلاحات دستورية وسياسية عميقة وثورية عقب الحراك الشعبي أو ما سمي الربيع العربي سنة 2011. لكن من الخطأ أن يتم اعتبار هذه الإصلاحات مجرد جواب عن أسئلة الحراك الشعبي، ولكن هي خلاصة تطورات عرفها المغرب منذ 20 سنة، وهي نتيجة لمسار ارتضاه المغرب في وضع حد للصراعات الوهمية بين المؤسسة الملكية وأحزاب المعارضة، ولكن مسار وضع سكة الممارسة السياسية فوق أرضية صلبة حتى يصبح الصراع جادا وفعالا ومن أجل برامج سياسية واقتصادية ويصبح تنافسا في الخير بين الفرقاء السياسيين وليس بين الأحزاب وبين المؤسسات الضامنة لوحدة المغرب واستقراره. وليست هذه الإصلاحات، التي تميز المغرب عن غيره من البلدان، وليدة اليوم ولكن تم تحقيقها عن طريق وضع برامج وخطط أوصلت إلى هذه النتيجة المتمثلة في شكل النظام السياسي اليوم المحدد دستوريا، والذي لا يمكن مقارنته بأي نظام سياسي آخر بل له ميزته وخصائصه المتفردة، وقد أقدم المغرب على مجموعة من الأعمال التاريخية للقطع مع الماضي. حيث أقدمت الدولة المغربية في عهد الملك الراحل الحسن الثاني على إطلاق كافة المعتقلين السياسيين، الذين كانوا يقضون عقوبات مختلفة والذين كانوا ينتمون لمنظمات مختلفة وذلك في إطار مصالحة المغرب مع تاريخه، وكما اعترفت الدولة بالتجاوزات التي تمت أثناء مراحل الاعتقال اعترف المعتقلون بسعيهم لهدم أسس الدولة. وكي تتم رعاية هذه المصالحة أسس المغرب المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان من أجل التأسيس لثقافة جديدة في التعامل الحقوقي والذي تمثلت فيه جميع الهيئات الحقوقية إلا من أبى الحضور. وتلت هذه الخطوة الموافقة على دستور 1996 الذي جاء متقدما على الدساتير السابقة وجاء ليؤسس لمرحلة جديدة. كل هذه الخطوات أرست دعائم حكم جديد وأفضت إلى حكومة جديدة، ففي ظل التصالح والمصالحة تم تشكيل حكومة التناوب التوافقي بقيادة الرجل اليساري عبد الرحمن اليوسفي، وجمعت هذه المرحلة بين الملك الحسن الثاني وبين واحد من أشرس معارضيه، لأن مصلحة البلاد تعلو ولا يعلى عليها. وتم في العهد الجديد تفعيل هذا المسلسل بمؤسسات دستورية بل تمت دسترة الخيار الديمقراطي حتى لا يطمع أحد في التراجع عنه، وتم الختم على العفو العام بمأسسة التعويض عن طريق هيئة الإنصاف والمصالحة التي أصبحت نموذجا في العدالة الانتقالية، كما تم تحويل المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، الوريث الشرعي لهيئة الإنصاف والمصالحة التي ترأسها المناضل اليساري إدريس بنزكري، بالمجلس الوطني لحقوق الإنسان كهيئة دستورية راعية لحقوق الإنسان. وقد تم تتويج كل هذا المسار بالدستور الجديد لأن هذه الإصلاحات كانت تحتاج إلى وثيقة تضمن رعايتها. المغرب بكل هذا أصبح نموذجا. ولا بد أن تنتقل نسائم هذا الربيع الحقيقي إلى الجيران. فالتجربة
التونسية
في إقرار دستور توافقي لا تخرج عن هذا السياق وإن كان لا ينبغي المقارنة بين بلدين لكل واحد منهما خصوصياته. لكنها تجربة واعدة لأنها انطلقت من التوافق ومن وعي القوى السياسية بشروط المرحلة التاريخية التي حتمت عليها التنازل لمصلحة إقرار السلم. وموقف المغرب ثابت وواضح والرؤية الملكية واضحة وصريحة في هذا المجال، فالمغرب يسعى إلى الاستقرار وإلى بناء مغرب عربي ديمقراطي موحد وقوي.
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

