وأخيرا، نجحت تونس في تجاوز العقبة الكبيرة في تجربة انتقالها الديمقراطي، إذ تم تنفيذ الاتفاق الذي أبرم بين الفرقاء السياسيين، فصادق المجلس الوطني التأسيسي أول أمس على الدستور بما يقرب الإجماع، أي بموافقة 200 نائب من أصل 216، كما نجح رئيس الوزراء المكلف مهدي جمعة في تشكيل حكومة جديدة تدير شؤون البلاد إلى حين إجراء انتخابات جديدة.
والحقيقة أن تقييم هذا الإنجاز التاريخي، ينبغي أن يستحضر شيئين اثنين: الأول، المسار الطويل لتجربة الانتقال الديمقراطي التونسي ، والذي عرف جملة تعثرات وتوترات كادت أن تقسم المجتمع التونسي إلى قسمين، وتدخله في فوضى عارمة شبيهة بما تعرفه بعض دول الربيع العربي، والثاني، ما تعرفه دول الجوار، وتحديدا ليبيا التي لم تستطع الدينامية السياسية أن تحتوي وتتغلب على المشكلة الأمنية، وصارت تعيش بسلطتين: الأولى سياسية رمزية لا قوة لها، والثانية أمنية على الأرض، تحتكم إلى لغة السلاح لفرض الأمر الواقع، ومصر التي احتكمت إلى لغة القوة في حسم الخلافات السياسية، وانتهى بها المطاف إلى تشكيل سلطة شمولية استبدادية لا تكتفي فقط بإقصاء الإسلاميين، بل تضع جميع المعارضين في سلة واحدة، ولا تجد غير المقاربة الأمنية وسيلة للتعاطي معها، ثم الجزائر التي تعيش مهزلة سياسية على مشارف الانتخابات الرئاسية، بعد إعلان الرئيس المريض عبد العزيز بوتفليقة ترشحه لولاية رابعة. ضمن هذا السياق، يمكن أن نفهم هذا الإنجاز التاريخي، الذي أعطى جوابا على إمكانية أن يقع اللقاء بين الإسلاميين والعلمانيين تحت سقف دولة ديمقراطية، لكن شريطة أن يبذل كل طرف جهدا فكريا وسياسيا في التأسيس للتعايش والتوافق المجتمعي. وهذا بالفعل الذي تم طوال الشهور الأخيرة، إذ أبان الإسلاميون على مستوى عال من نكران الذات، وقدموا تنازلات كبيرة، فقبلوا استقالة الحكومة التي كانوا يقودونها، وقبلوا تكليف رئيس وزراء محايد متوافق عليه، ولم يتورطوا في فخ استعمال ورقة الشارع، ولم يعتبروا بقوتهم السياسية للهيمنة والتأثير على مواد الدستور، بل اعتبروا التأسيس لدولة تونس الجديدة ، مشروعا للجميع، لا بد أن يقوم على التوافق. كما أن العلمانيين، أنفسهم، تصرفوا بطريقة مختلفة عن الأسلوب الذي تصرف به نظراؤهم في دول مجاورة، ورجحوا في نهاية المطاف الجلوس إلى الطاولة، وقبلوا بمبادرة الطرف الثالث، ولم يجعلوا من الأزمة السياسية ولا من المتغيرات الإقليمية ورقة للاستقواء بها على القوى السياسية ذات الشرعية الانتخابية. طبعا، هناك بعض الخصوصيات التي ساعدت تونس على بناء تجربة مستقلة عن التجارب القريبة في المنطقة، منها بعدها الجغرافي عن منطقة الصراع الاستراتيجي، ومنها عدم وجود فاعل سياسي أعلى متوافق حوله (كما هو الحال في المؤسسة الملكية في المغرب) أو فاعل سياسي عسكري أمني (كما هو الحال في مصر)، ومنها خلو تونس من النفط حيث تتعثر أي تجربة ديمقراطية بوجوده بسبب دخول الفاعل الأجنبي بقوة لتريب المشهد السياسي، ومنها الرهان الدولي على بناء نموذج ديمقراطي آخر في منطقة شمال إفريقيا حتى لا تتحول المنطقة كلها إلى مصدر تهديد أمني للضفة المتوسطية الشمالية. لكن، مع كل هذه العوامل المحفزة، أو على الأقل غير المعيقة، يمكن القول بأن القوى السياسية في تونس فهمت أن التأسيس لدولة ديمقراطية لا يمكن أن يكون بالشرعية الانتخابية، ولا بالعودة إلى إنتاج النظام السابق، ولا بالاستقواء بالسلاح، ولا باستعمال المقاربة الأمنية لإقصاء بعض المكونات السياسية وتوظيف الإعلام الدعائي لنشر الكراهية والحقد والتمييز ضد المعارضين، وإنما يتم ذلك بتوافق كل القوى السياسية على قاعدة الاعتراف بالآخر، والقبول بالاختلاف، والاجتهاد الجماعي في بناء قواعد اللعبة السياسية التي تحصن التعايش والاجتماع التونسي . تونس اليوم لا تتوفر على أي رصيد يؤهلها لبناء اقتصادها إلا رهانها على الاستقرار وجاذبيتها الديمقراطية، ولذلك، فضل التونسيون أن يعطوا الأولوية للتعايش والتوافق على ما سواه، وأن ينتهوا من مرحلة مليئة بالتوترات السياسية والاجتماعية لم يجنوا منها سوى تراجع في الاقتصاد وتنامي في المآسي الاجتماعية. التحدي اليوم، بالنسبة إلى المغرب، أن هناك نموذجا آخر للاستقرار وللديمقراطية في شمال إفريقيا، ويتمتع بشرعيتين قويتين: شرعية ثورة الياسمين، وشرعية هذا التوافق التاريخي، ولا شك أن تونس ستمضي إلى تأسيس شرعية ديمقراطية قوية وجذابة، أي سيكون لها من المقومات ما يجعل المغرب أمام خيار واحد لا غير، وهو القطع مع التردد، وعدم الاستئناس بمقولة الاستثناء والتفرد، والمضي بسرعة أقوى في الإصلاحات والحكامة والدمقرطة ومحاربة جميع أشكال الريع.
المصدر: بلال التليدي نشر في التجديد

