انتهت عملية الاستفتاء في مصر يوم الأربعاء 15 يناير 2014، وبدأت الأخبار الأولية تتدفق عن نتائج المحافظات المصرية، وحصل ما كان متوقعا، من تضخيم نسبة المشاركة لتفوق 50 في المائة، وعادت نسبة 98 في المائة إلى التحليق من جديد في سماء الاستحقاقات الانتخابية العربية، وظهر أن القيادة السياسية، أو بالأحرى العسكرية في مصر، كان يهمها شيء واحد هو أن تنجح في تمرير خارطة الطريق بأي ثمن، حتى ولو اقتضى الأمر أن تمسح المعارضة السياسية من الوجود.
والحقيقة أن المهم في الحدث ليس هو مناقشة نزاهة هذا الاستفتاء من عدمه، ولا تقييم خيارات كل من النظام السياسي والمعارضة، فقد تعدت العلاقة بينهما مرحلة المواجهة بقصد تحسين شروط التفاوض السياسي، ووصلت حد الاستئصال الوجودي، ليس فقط للتيار الإسلامي، ولكن لكل أطياف المعارضة في جميع مستوياتها السياسية والمدنية. إنما المهم في تحليل هذا الحدث هو إعادة النظر في جملة من الفرضيات التي ظلت تسوق بكثافة حول العملية السياسية في الوطن العربي، ومستقبل الديمقراطية فيها، وأدوار الفاعل الخارجي فيها: 1 سقوط فرضية أن التحول السياسي في الوطن العربي هو السبيل لحفظ التوازنات الاستراتجية: فقد تأكد من خلال تحليل المسار المصري أن الفاعلين السياسيين في الداخل والخارج معا، لم يتحملا كلفة التحول السياسي ونتائجه، وفضلا العودة إلى مقولة دعم الأنظمة الاستبدادية أو إعادة إنتاج أنظمة أشد سلطوية، بحيث تم استثمار التوازنات الاستراتيجية كحجة لتعطيل مسار التحولات، وتبرير سحق المعارضة السياسية، وهذا بالتحديد ما قامت به القيادة العسكرية المصرية مستثمرة في ذلك تزايد قلق فاعلين خارجيين اثنين(الإسرائيلي والخليجي) من تداعيات ربيع الشعوب العربية. 2 سقوط فرضية أن بالإمكان تحمل نتائج الديمقراطية بسياسة النفس الطويل التي تراهن على فشل الإسلاميين في التدبير: فقد كانت مستودعات التفكير الأمريكية تمد الخارجية الأمريكية ببعض الأفكار التي تعينها في مواجهة ما كانت تسميه بمخاطر الديمقراطية (أي صعود الإسلاميين) ومن ذلك سياسة النفس الطويل، وانتظار فشل الإسلاميين، وإزاحتهم بشكل سلمي، فتبين من خلال المسار المصري، أن هذه الفرضية سقطت، وأن الإدارة الأمريكية ، عادت أو أجبرت، إلى إنتاج نفس السلوك الذي قاومت به صعود الإسلاميين في مصر سنة 2005 وانتصار حماس سنة 2006. 3 سقوط فرضية أنه بالإمكان تحقيق الديمقراطية عبر عزل الإسلاميين: إذ تبين من خلال تطورات المشهد المصري، أن السلوك السياسي الذي أنتجه النظام المصري بتحالفه مع بعض القوى العلمانية والليبرالية كان ظرفيا، وأنه سرعان ما اتجه إلى تصفية المسار الديمقراطي، مما تولد عنه إنشاء جبهة عريضة تضم مختلف الطيف السياسي والمدني والجمعوي ضد خارطة الطريق، بحيث لم يعد توصيف الانقلاب العسكري حكرا على الإسلاميين، بل صار هذا التوصيف حالة إجماع لدى هذه المكونات. 4 سقوط فرضية دعم الفاعل الخارجي لعمليات التحول في دول الربيع العربي: إذ تبين من خلال رصد سلوك الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوربي، أن ما يهم هذين الفاعلين بالدرجة الأولى هي التوازنات الاستراتيجية في المنطقة والأمن الإسرائيلي بها، وأن قضية دعم الديمقراطية، ما هي إلا مقولة تم إنتاجها لتحسين التموقع الاستراتيجي في المنطقة، وأن بالإمكان سحبها كلما تبين أن نتائجها غير مأمونة أو لا تخدم الأهداف الاستراتيجية البعيدة. 5 فرضية أن الأنظمة الاستبدادية لم يعد لها خيار سوى القبول بضرورة التغيير: فقد تبين أن العديد من الأنظمة الاستبدادية تكيفت مع شروط الربيع العربي، واستثمرت التناقضات الدولية، وراوغت بالتوازنات الاستراتيجية، وأنتجت خيارات عدة للحفاظ على موقعها أو تحسين شروطه، إذ استطاعت الأنظمة الخليجية أن تنجو من رياح الربيع العربي، كما استطاع النظام المصري أن يعيد إنتاج نفسه بشكل أكثر سلطوية، وأن يستغل التحولات الاستراتيجية التي تجري على الأرض لصرف الأنظار عن الجريمة المرتكبة ضد الديمقراطية. 6 سقوط فرضية أن الكيان الصهيوني هو الخاسر الأكبر من رياح الربيع العربي، إذ حصل العكس حيث أنتجت التحولات الجارية أفضل الشروط بالنسبة إليه لاستئناف المفاوضات، في ظل محدودية الأدوار الإقليمية لكل من مصر المنشغلة بترتيب خارطة طريقها، وتركيا المنشغلة بتسوية صراعاتها الداخلية، وإيران المرهونة بحوارها مع الغرب حول برنامجها النووي، وسوريا التي دمرت الحرب الداخلية إمكاناتها، ولبنان التي غرقت في بحر التفجيرات الانتقامية.
المصدر: بلال التليدي نشر في التجديد

