يجري اليوم في تونس ومصر اختبار مسارين مختلفين كل منهما قدم إجابة عن طريقة ترتيب الوضع الانتقالي بعد ربيع الشعوب أو خريفها.
المسار المصري اختار أن يوقف التجربة في محطتها الثانية، أي بعد الانتخابات الرئاسية وإقرار الدستور، إذ بدل أن يعكف مختلف الفرقاء السياسيين على إعادة إنتاج توافق سياسي كانت شروطه متوفرة مع إعلان الرئيس المنتخب محمد مرسي فتح الحوار السياسي مع المعارضة، تم اعتماد خيار القوة بسحق مكون سياسي، وتوظيف مكونات سياسية أخرى للتغطية على انقلاب عسكري لم يكن هدفه سوى إعادة إنتاج النظام السلطوي قامت الثورة لتصفية تركته. المشكلة أن هذا المسار يواجه اليوم معضلة كبيرة تتمثل في عدم وجود آليات للسياسة الطبيعية يمكن الاعتماد عليها لتمرير المحطات الثلاث للمرحلة الانتقالية (إقرار الدستور، والانتخابات الرئاسية، ثم الانتخابات البرلمانية)، واللجوء الكثيف إلى آليات الدولة العميقة في فرض خارطة الطريق، بدءا من توسيع مجال الملاحقة والاعتقالات التي طالت الناشطين من أطياف متعددة، واستعانة بآليات القصف الدعائي الإعلامي الذي تجاوز كل قواعد وأخلاق الممارسة المهنية، وانتهاء بالدور المركزي الذي تقوم به المحاكم في تصفية المعارضين. النتيجة التي تقدمها المؤشرات الأولية هي أن مستوى المشاركة في التصويت على الدستور في الخارج سجلت اضعف مستوياتها، ناهيك عن حجم المعارضة الشعبية الواسعة التي تعترض اليوم على هذا المسار، والانهيار الكامل للاقتصاد المصري والعزلة الدولية التي تعرفها البلاد. تونس اختارت طريقا أخرى مختلفة. تعثر مسارها الانتقالي، وطال أمده، واحتدت الأزمة السياسية، وكادت لغة الشوارع أن تعلو على كل الخطابات. ولولا أن أطرافا دخلت على خط الصراع بين الإسلاميين والعلمانيين، وشكلت القوة الثالثة الداعمة لعملية توافق عسير لم يمر من غير خسائر مكلفة للطرفين، لما استطاعت البلاد أن تخرج من الأزمة، وربما كان مصيرها شبيها بالمسار المصري. تدخلت القوة الثالثة إذن، وقبل الجميع بالحوار بديلا عن لغة الشارع، وقدمت حركة النهضة تنازلات كبيرة تمثلت في تقديم حكومة علي العريض استقالتها، ووفى كل طرف بالتزامه، وتمكنت تونس من أن توفر شروط المضي في ثلاث عمليات في آن واحد(الدستور، والهيئة العليا المشرفة على الانتخابات، والحكومة الحيادية التي أنيط بها تدبير الأزمة التي تمر منها البلاد) في جو من التوافق والخضوع لآليات السياسة الطبيعية. الفرق بين المسارين كبير، فالأول اعتمد الغلبة والقوة والعنف على حساب التوافق، فورثت البلاد اللاستقرار والفوضى وغموض المصير وموت أدوات السياسة الطبيعية لفائدة تحكم أدوات الدولة العميقة، والثاني اعتمد التوافق، فكسب التعايش والاستقرار ووضع اللبنات الأساسية للمرور إلى المرحلة العادية، وأعاد الثقة في إمكانية أن تؤدي وسائل السياسة الطبيعية إلى الترتيب الحكيم لخطوات الانتقال الديمقراطي بعيدا عن توظيف أجهزة الأمن والقضاء والإعلام في حسم المعارك. الخلاصة، أن خيار التحكم والغلبة وإقصاء الفاعلين السياسيين من العملية السياسية فضلا عن كونه دمر الاستقرار وقضى على فرص مصر في التنمية وكسر جاذبيتها، فأنه ساعد في خلق شرخ مجتمعي خطير يصعب لملمته بوسائل السياسية الطبيعية إلا بمصالحة مكلفة خاضت بعض الدول مسارا طويلا لإقرارها. أما خيار التوافق- حتى وإن بدت فيه تنازلات وخسائر مرحلية- إلا أنه يوفر شروط تدارك كل ما فات مادام يحافظ على الاستقرار، لأنه مهما يصل حجم الخلاف بين الفرقاء، فإن الاستقرار هو ألأرضية التي يتم على قاعدتها التوافق، بل هو الصحن الذي تطبخ داخله كل مشاريع الإصلاح. تبقى في الأخير إشارة مهمة، تحسب على المسار المصري، فرغم حالة الفوضى واللاستقرار التي تعيشها مصر، إلا أن مسارها يوفر درسا دالا لا ينبغي القفز عليه، وهو أن التعثرات التي تواجهه، وقوة الرفض الشعبي التي تمانعه، وحجم التضحيات الكبيرة التي تبذلها كل الفعاليات السياسية والمدنية من أجل التصدي له، أعطى إشارة إلى أن استبعاد أدوات السياسية الطبيعية والرجوع إلى منطق التحكم والغلبة جد مكلف، ولا تنفع معه المغامرة التي اختار الانقلابيون في مصر الاستمرار فيها معرضين بذلك الاستقرار ووحدة المجتمع ومصالح مصر إلى التهديد، كما قدم أفضل حجة يمكن اعتمادها للكف عن التلويح بهذا الخيار ، وأوقفت آثاره المدمرة مسارات أخرى كان يتم التخطيط لها لإجهاض أمل الشعوب في الديمقراطية والإصلاح.
المصدر: بلال التليدي نشر في التجديد



