ركز الخطاب الملكي الذي افتتح به جلالة الملك محمد السادس الدورة الأولى من السنة التشريعية الثالثة، على مفهوم الأمانة التي تأتي الحكامة على رأس واجباتها وأركانها. ربما لم ينتبه البعض للآيات القرآنية التي تلاها الفقيه أمام الحاضرين بمجلس النواب التي جاء فيها : “إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان، إنه كان ظلوما جهولا”. حينما كان الملك يخاطب البرلمانيين، ويضع أمامهم الوضع الذي وصلت إليه مدينة في حجم
الدار البيضاء
التي يسعى جلالته إلى تحويلها إلى قطب مالي دولي، ويتساءل : “هل يعقل أن تظل (الدارالبيضاء) فضاء للتناقضات الكبرى إلى الحد الذي قد يجعلها من أضعف النماذج في مجال التدبير الترابي”، فإنه في الحقيقة كان يسائلهم، ومن خلالهم يسائل المنتخبين الجماعيين – ويوجد عدد غير قليل منهم بالبرلمان – عن طبيعة الدور الذي يقومون به على مستوى جماعاتهم، وعن حقيقة الأمانة التي هم مؤتمنون عليها. لكن لا ينبغي في نفس الوقت أن يتبادر إلى ذهن البعض أن المقارنة بمدينتي
مراكش
وفاس بسبب تسيير “البام” و”الاستقلال” للشأن المحلي بهذين المدينتين، بل مقارنة مدينة في حجم
الدار البيضاء
لا تكون كاملة إلا بمدن ذات حمولة تاريخية وحضارية وثقافية، وفوق ذلك هي مدن ملكية، لكنها نجحت فيما عجزت عنه العاصمة الاقتصادية. لقد وضع عاهل البلاد الأصبع على الداء وهو يتحدث عن “مدينة التناقضات الاجتماعية الصارخة”، مجملا أهم الأسباب التي جعلتها كذلك في “أسلوب التدبير المعتمد من قبل المجالس المنتخبة، والصراعات العقيمة بين مكوناتها، وكثرة مهام أعضائها، وازدواج المسؤوليات”، ليحدد المشكل الذي تعاني منه العاصمة الاقتصادية في ضعف الحكامة. إذا كان هذا يتعلق بمدينة عملاقة
كالدار البيضاء
، التي تعد القطب الاقتصادي والتجاري للمملكة، ومركز رجال الأعمال والمال، ومجال نشاط تقافي واجتماعي وجمعوي ورياضي، والمدينة التي تتوفر على أحد أهم الموانئ والمطارات في القارة الإفريقية، وعلى مؤسسات بنكية وتأمينية وتعاضدية، وتضم أكثر من أربعة ملايين نسمة، وناطحات سحاب تعانق السماء… فماذا يمكن أن نقول عن زحيليكة أو الرماني أو سيدي بوقنادل أو سيدي إيفني.. أو أية جماعة من الجماعات التي تعاني من نقص في أبسط التجهيزات والبنيات؟ لا يتجادل اثنان في أن مصير الكثير من جماعاتنا متروك للأقدار وكأن ليس بها منتخبون ولا مسيرون ولا مسؤولون. ومن هنا نفهم أهم الأسباب الكامنة وراء الضعف والهشاشة التي أصبحت ملازمة لأحوال هذا النوع من الجماعات، بل الدرك الأسفل التي وصلت إليه. ومن هنا علينا أن نفهم، بل أن ندرك ونستوعب ثورة الملك على وضع لم يعد مقبولا في مغرب اليوم. هناك عدد من المجالس المنتخبة ببلادنا مازالت خاضعة لأسلوب تدبير عتيق إن لم نقل متخلف، وتسود فيها صراعات عقيمة بل تافهة بين أعضائها الذين يتهافتون على تقلد الكثير من المهام ولا يقومون بأية مهمة، ويراكمون أكثر من مسؤولية سياسية وحزبية ونقابية وجمعوية ووظيفية، ويصبحون لا هم في العير ولا في النفير. هناك المسؤول أو المنتخب الذي يجتمع في شخصه أكثر من مهمة ومسؤولية : تجده رئيسا للمجلس الجماعي أو لمجلس المقاطعة، عضوا بمجلس الجهة أو المجلس الإقليمي، عضوا في غرفة تجارية أو صناعية أو خدماتية، عضوا برلمانيا، عضوا في عدد من الجمعيات تبدأ بجمعية آباء وأولياء التلاميذ وتنتهي بجمعية رياضية مرورا بجمعية الأحياء والعمارات وجمعيات القنص والصيد، هذا عدا عضويته الحزبية والنقابية. أي منتخب سوبرمان هذا الذي سيجد الوقت الكافي للاستماع للمواطنين فبالأحرى تدبر أحوال الجماعة وسكانها؟ لابد من وضع حد لهذا. ولابد للأحزاب أن تتحمل مسؤوليتها في هذا المجال من خلال “إفراز كفاءات ونخب جهوية مؤهلة لتدبير الشأن العام المحلي”، لا أن توزع التزكيات على كل من هبَّ ودبَّ من الذين يريدون تحقيق أحلامهم بحرق المراحل عبر سفينة الانتخابات المحلية والتشريعية. ولا يمكن أن نرمي كل شيء على ظهر الملك. لابد أن يتحمل كل مغربي مسؤوليته إزاء وطنه ومواطنيه. لقد مضى زمن إلقاء الحابل على الغارب. وكما كانت بداية الدورة البرلمانية بأحلى الكلام، كانت نهاية جلستها مسك الختام : “إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها”. فهل من مستجيب؟
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

