هناك اليوم من يحاول استثمار الخلاصات التي تخرج بها أي عملية تشخيصية للمنظومة التربوية في المغرب، لكي يعيد إحياء الدعوة القديمة بإحلال الدارجة محل اللغة العربية ورفعها إلى مقام اللغة الوطنية الأم التي لا يمكن للتدريس أن يكون ناجحا إلا بها، وهي الدعوة التي تم العمل سابقا بكل الأدوات من أجل فرضها، لكنها لم تجد إلا الاستنكار والرفض.
المناسبة هو فتح المجلس الأعلى للتعليم باب المشاورات مع الأحزاب السياسية والخبراء ومكونات المجتمع المدني للتداول حول تشخيص وضعية المنظومة التربوية وتقديم التصورات والرؤى والمداخل المقترحة للنهوض بالمنظومة التربوية وجودة التعليم. والمناسبة أيضا استباق عملية النقاش حول القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى وما يعقبه من تنصيب هذه المؤسسة الدستورية والصلاحيات المناط بها طبقا للقانون الجديد، ومحاولة الضغط بكل الأدوات لتحريك النقاش حول قضية تدريس اللغات ولغات التدريس وتوجيهه قبل أن يباشر المجلس الأعلى في صورته الدستورية دوره في هذا المجال. طبعا، لا ينكر أحد أن الخلاف بين مكونات المجتمع حول هذه القضية موجود، وأن الأمر يتطلب استراتيجية وطنية يتم التوافق حولها لتدبير المسألة اللغوية في التعليم، لكن ذلك لا يمكن أن يتم خارج النص الدستوري، ولا خارج الأطر المرجعية للمنظومة التربوية، وفي مقدمتها ميثاق التربية والتكوين. لا مجال للالتفاف على النص الدستوري الذي ينص في الفصل الخامس صراحة على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للبلاد، ويلزم الدولة بحمايتها وتطويرها وتنمية استعمالها، كما أنه لا مجال لإعادة اللعب على التكتيكات القديمة التي تعمد إلى إحداث التوتر بين اللغتين الرسميتين للبلاد، أو بين مستويات اللغة العربية الشفوية الدارجة، والفصحى العلمية، لإحداث حالة من الضعف بكل التعبيرات الوطنية وتسويغ الحاجة إلى إعطاء مساحة أكبر للغات الأجنبية وخاصة منها اللغة الفرنسية. ربما نعيد التجربة القديمة ذاتها، التي تم فيها تحريك النقاش حول الدارجة، وتم الضغط بكل الوسائل من أجل أن تصبح لغة للإعلام السمعي البصري، وحاولت بعض مؤسسات المجتمع المدني أن تستثمر فتح المجلس الأعلى للتعليم لورش لغة التدريس وتدريس اللغات، وأن تستدعي نقاشا أكاديميا في حلقة نقاش حول الموضوع، حاولت فيه أن تنتصر للدارجة، وأن تطرح فكرة تطويرها ورفعها إلى المستوى المعياري، لكن هذه الجهود كلها قد باءت بالفشل، لأن الدعوة في حقيقتها تفتقد لأدنى المواصفات العلمية، فبالأحرى أن تحظى بترحيب أكاديمي وتوافق مجتمعي. إن أخطر تهديد يمكن أن يمس المغرب هي أن تصير المسألة اللغوية ورقة من الأوراق السياسية التي يتم استثمارها لإحداث التوازنات أو لتسويغ توسيع مساحة الحضور الفرنكفوني في المغرب. إن الذين يحركون اليوم دعوات اعتماد العامية المغربية في التعليم باسم أنها لغة الأم وأنها أقرب للتدريس، لا يدركون تمام الإدراك أن هذه المحاولة فاشلة، بل ويدركون أن الدارجة لا تملك المواصفات العلمية التي تؤهلها لتحل محل اللغة العربية الفصحى، لكنهم حين يفعلون ذلك، إنما يركزون على نقطة واحدة لا غير، وهي أن يتم تصفية اللغة العربية من التعليم، والإجهاز على مسار التعريب، والعودة إلى التدريس باللغة الفرنسية. مؤشرات ذلك واضحة، ابتدأت هذه السنة مع اعتماد الباكلوريا الفرنسية واختيار أحسن المؤسسات وأفضل التلاميذ لتجريبها، والآن يتم إعادة إحياء المبادرة من جديد، واستثمار كل ما يمكن استثماره من أجل تحقيق التطلعات الاستراتيجية المرجوة بعيدا عن المقتضيات الدستورية التي حسمت هذه القضية المصيرية. كنا نأمل أن يتم الانطلاق من مكتسب الثوابت اللغوية الوطنية التي أقرها الدستور، وأن يتم الانتقال منها إلى مناقشة الأسئلة الأخرى التي لا تزال تفتقد إلى الجواب الوطني، ومنها وفي مقدمتها سؤال اختيار اللغة الأجنبية الأوسع تداول في العالم والتي تسهل عملية الانخراط والتفاعل مع مجتمع المعرفة، وأن يتم تقييم اللغات الأجنبية في ضوء هذه الخصائص، والاختيار الوطني الواعي للغة الأجنبية الأولى بناء على هذه المتطلبات الدستورية لا بناء على سياسات الهيمنة اللغوية التي لا تكتفي بتحصين المكتسبات اللغوية، وإنما تذهب إلى حد خلق التوترات في مكونات المشهد اللغوي لإعاقة إنتاج اي سياسة لغوية وطنية منسجمة. المطلوب اليوم، أن يتم الوعي بمخاطر إحياء الدعوة إلى اعتماد الدارجة وجعلها لغة وطنية بديلة للفصحى، وإنتاج الجواب التدافعي الوطني الذي ينتصر للمقتضيات الدستورية، ويحرك كل الواجهات العلمية الأكاديمية والآليات المدنية والسياسية للتصدي لأي محاولة لإرباك المشهد اللغوي ومنع خروج سياسة لغوية وطنية.
المصدر: بلال التليدي نشر في التجديد



