لا ينبغي أن يمر التهديد الإرهابي الذي صدر عن شريط منسوب إلى تنظيم القاعدة دون فهم رسائله، فبغض النظر عن البحث التقليدي في صحة الشريط ونسبته لتنظيم القاعدة أم لجهات استخباراتية أجنبية تلعب بالورقة الإرهابية من أجل إضعاف المصالح الحيوية للمغرب، فإن هناك جملة من الرسائل التي تضمنها الشريط تستوجب أن نتوقف عندها حتى تهيأ شروط المقاربة المندمجة للظاهرة الإرهابية:
1 الرسالة الأولى، وتهم محاولة ترميم خطاب تنظيم القاعدة للرفع من فاعليته الاستقطابية، إذ يلاحظ من الشريط أن هناك اجتهادا في إعادة بلورة هذا الخطاب وتجديد عناصره، فبالإضافة إلى العناصر المركزية التقليدية في خطاب القاعدة المرجعي، أي التركيز على قضية فلسطين والقدس وتموقع الحكام إلى جانب «الأعداء» حسب توصيف خطاب القاعدة، وبالإضافة أيضا إلى تكفير الحكام والحكم بردتهم وعدائهم لتحكيم الشريعة الإسلامية، فقد حقن شريط القاعدة الجديد في الخطاب التقليدي مفردات أخرى حاول أن يستجمعها من مخرجات العملية السياسية وبشكل خاص من مخرجات الخطاب السياسي الناقد للوضعية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مما يعني وجود وعي لدى تنظيم القاعدة بمحدودية الاستقطاب بمفردات خطاب القاعدة التقليدي، وأن هناك محاولة لإعادة ترميم الخطاب بما يؤهله لخدمة مهام الاستقطاب من جديد ليشمل ليس فقط المتدينين، وإنما أيضا الناقمين والساخطين على العملية السياسية والفاقدين الثقة في مؤسساتها، وهذا ما تعنيه بالضبط عبارة تحويل وجهة الشباب من مراكب الهجرة السرية إلى أوربا لما يسميه الشريط «بالجهاد في سبيل الله والفرار إلى الآخرة». ومما يؤكد مركزية تطوير الخطاب عند تنظيم القاعدة اشتغاله على استثمار مختلف التناقضات التي يعرفها الحقل السياسي، وهذا بالضبط ما جعل الشريط يحاول توظيف كم هائل من اللقطات المصورة في العديد من القنوات التلفزية والوثائق والتقارير والمداخلات لتقوية الطابع الحجاجي في الخطاب، ورفع درجة «الإقناع» لتيسير عملية الاستقطاب المستقبلي. 2 الرسالة الثانية، وترتبط بسابقتها، إذ تكشف مركزية تطوير الخطاب عند تنظيم القاعدة المأزق الذي يوجد فيه هذا التنظيم في بلاد المغرب الإسلامي وعجزه عن تحقيق أهدافه في الاستقطاب والتوسع بسبب الفعالية الأمنية التي اعتمدها المغرب ومقاربته الاستباقية لمواجهة الخطر الإرهابي. وجوهر هذه الرسالة، أن هناك وعيا لدى تنظيم القاعدة في هذه المنطقة أن المغرب يشكل الدولة الأقوى من حيث تأمينها للحدود وسيطرتها على ترابها الوطني ودروها إقليميا وجهويا في مواجهة التهديدات الإرهابية القادمة من الساحل جنوب الصحراء، لاسيما بعد الدور الحيوي الذي قام به المغرب في مواجهة الإرهاب في مالي، وهذا ما جعل تنظيم القاعدة في المنطقة في توقيت تزامن مع ذكرى 11 شتنبر، يرفع سقف تهديداته ضد المغرب، ويصعد خطابه ضد رموزه ومؤسساته. 3 الرسالة الثالثة، وتخص استمرار اشتغاله على تبني المظلوميات، من خلال التركيز على محنة السلفيين المعتقلين في السجون، وأشكال التعامل الأمني معهم، إذ قد يبدو للوهلة الأولى من خلال تتبع مفردات الخطاب تبني القاعدة لهؤلاء وإثبات العلاقة العضوية بهم، لكن الأمر في حقيقته لا يخرج عن ذات المهمة الاستقطابية التي تسعى إلى استثمار هشاشة هذه الفئة ووضعها المأزوم من أجل تجنيدها في المستقبل القريب. هذه ثلاث رسائل أساسية كلها تفيد بأن هناك أزمة استقطاب لدى تنظيم القاعدة في المغرب، وأن استراتيجيته تتجه لمعالجتها، ولذلك، فإن الجواب عنها يتطلب الالتفات إلى ألأبعاد الآتية: البعد الأمني: وذلك برفع درجة اليقظة والجاهزية والاستمرار في تبني المقاربة الاستباقية لمحاصرة الخطر الإرهابي، في احترام لحقوق الإنسان. البعد السياسي، وذلك بتجنب أي مسار يمكن أن يعرض الاستقرار السياسي أو الاجتماعي لهزة من الهزات التي قد تحيي عملية التجنيد والاستقطاب، وتعميق المسار الديمقراطي وتسريع الإصلاحات الكبرى بما يخفف من درجة الاحتقان السياسي والاجتماعي ويضمن مزيدا من التوازن الاجتماعي. البعد الديني، وذلك بالاستمرار في تفعيل ودعم خطاب الوسطية والاعتدال، والتمكين له في كل الأوعية الثقافية والتربوية والإعلامية والدينية ورفع درجة إسهام العلماء والدعاة في هذا الورش المهم. البعد الحقوقي، وذلك بتسوية ملف السلفية وتفعيل المقاربة التصالحية، وتوسيع فعالية الحوار الفكري والشرعي مع هذه الفئات حتى يتم معالجة هشاشتها الفكرية والاجتماعية وإنقاذها كلية من دائرة الاستقطاب والتجنيد الإرهابي.
المصدر: بلال التلدي نشر في التجديد

