لا يتجاوز عمرها العشرين ربيعا، شاحبة الوجه.. تبدو متعبة وهي تحمل طفلها على كتفها.. دخلت «فاطمة» وحدة المساعدة الاجتماعية بمستشفى الأطفال بالرباط ..وهناك التقتها «التجديد» بمناسبة تغطيتها لأنشطة توزيع «جمعية بسمة الأمل» قفة رمضان على عائلات مرضى القصور الكلوي.. وحكت لها عن تجربتها المريرة، و عن ظلم قادها لإدمان المخدرات.
لعنة الاغتصاب في أحد أيام ربيعها الرابع، وهي تلعب في جوار المنزل، اصطحبها أحد شباب حيها إلى مكان بعيد بعد أن أغراها بشراء الحلوى. و هناك اغتصبها. عادت إلى البيت تبكي وحكت قصتها لوالدتها. كانت صدمتها الثانية حين هددتها الأم بالضرب المبرح إذا باحت بهذا «السر» لأي من أفراد الأسرة. كان ذلك تدبير أم لدرأ العار ومخافة أن يرميها زوجها وابنتها في الشارع. عاشت «فاطمة» طفولتها قد تعايشت مع مصابها إلى أن بلغت الرابعة عشرة من عمرها، تقدم أحد شباب القبيلة لخطبتها. رفضت الأم فكرة الزواج خوفا من انكشاف أمر الاغتصاب. وأمام إصرار الزوج أبلغته الحقيقة المرة مشفوعة بوابل من السب والشتم في حق الطفلة الضحية بسبب العار الذي «جلبته» للأسرة! وبشكل أثار الاستغراب لم يتغير موقف الأب فهو يريد تزويج فاطمة وحسب. بدأ يمارس كل الضغوط من أجل ذلك. لم تتحمل «فاطمة» أن «تغتصب» مرة أخرى معنويا من والديها. وهربت من أحضان الأسرة إلى مدينة سلا .. وفي الحافلة إلتقت أحد شباب قبيلتها الذي يعمل بنفس المدينة ، حكت له قصتها فوعدها بمساعدتها.. فكانت «سلا» منعرجا حادا في حياتها. مدمنة قاتلة ابنها إرتمت «فاطمة» في حضن إبن الجيران الذي عبث بما تبقى من عفتها وكرامتها، لكن سرعان ما رمى بها في الشارع، هناك داقت «فاطمة» كل ألوان الذل والهوان. كانت تبيت في الخلاء. وكان شباب شوارع سلا و هوامشها المظلمة يفرضون عليها شم «السيليسيون» قبل بدأ مسلسل العبث بجسدها. أدمنت على «السلسيون» و»القرقوبي»، وأصبح من الصعب عليها العيش بدونهما. إحتمت «فاطمة» بشاب من شباب الشوارع كان يدافع عنها. أسفرت العلاقة غير الشرعية التي جمعت بينهما في الخلاء على إنجاب «ولد»، و بعد شهور تم القبض عليه بتهمة ترويج المخدرات ليترك «فاطمة» تواجه المجهول… في أحد الأيام وجدت «فاطمة» نفسها بين ضغطين مقاومة الإدمان و بكاء ابنها المستمر. حاولت إسكاته بكل الوسائل، لم يفلح الضرب المبرح في إسكاته، ازداد صراخه، لفت يديها حول عنقه و خنقته ليسكت إلى الأبد.. تم سجنها لمدة ثلاثة سنوات بسجن سلا .. مضت سنوات السجن وخرجت إلى الشارع مرة أخرى… خلاص وأمل اتخذت من التسول مهنة لها إلى أن تعرفت على «أحمد»، وهو شاب في الثلاثينات يتاجر في المخدرات. عملت معه في ترويج المخدرات، وأسكنها معه في بيته. اشترط عليها «أحمد» الإقلاع عن تعاطي المخدرات.. بعد سنة أنجبت منه إبنها «علاء»، لكن لم تمض بضعة شهور حتى تم القبض عليه، لتبدأ نفس الحلقة من جديد.. قاومت من أجل الحياة في أمن وكرامة.. رغم أنها لم «تنجح» في إيجاد شاب آخر تتم معه «المشوار المجهول» غير أنها نجحت في الابقاء على الرغبة في الاستمرار في مقاومة الإدمان. في وضعها الجديد اكتشفت شيئا اسمه «وحدة المساعدة الاجتماعية» بمستشفى الأطفال السويسي وعلقت عليه كل آمالها في العون، وبالفعل وجدت من يهتم بحالها، وتم إرسالها إلى الجهات المتخصصة في علاج الإدمان لتتخلص منه بشكل نهائي. واليوم تتابع حالة ابنها «علاء» الصحية خاصة بعد تناولها وابنها «الحرمل» من أجل النوم منذ أسابيع بعد أن اشتد الألم برأسها.. كانت «فاطمة» صريحة وهي تتحدث عن مأساتها وألمها، مصرة على ألا تعود إلى كل تلك السموم التي تذهب بعقلها، على أمل أن يخرج «صديقها» من السجن ويتزوجها على سنة الله ورسوله حسب ما وعدها به.
المصدر: سناء كريم نشر في التجديد

