أشكال التدافع وأنواعه محددة حتماً بأشكال التناقضات وأنواعها في كل مجتمع من المجتمعات.وكل تدافع يحدد له دائرة لها حدود مع باقي دوائر التناقضات و التدافعات في الساحة الاجتماعية، ويتمايز عن غيره.كالدائرة السياسية والدائرة الحزبية،والدائرة النقابية،والدائرة الاقتصادية، والدائرة الاجتماعية،والدائرة الحقوقية ،والدائرة المدنية ،والدائرة الدينية والدائرة العسكرية وغيرها.
في الوضع التاريخي العادي غير الثوري للشعوب والأمم يهيمن على نشاط التناقضات و أشكال التدافع حالة انتباذية centripète . حركة طرد وليست حركة جذب centrifuge .بحيث ينفصل النضال السياسي الحزبي عن النضال النقابي عن النضال الثقافي عن النضال الحقوقي وغيرها من أنواع التناقضات في المجتمع.فحالة الطرد والطرد المضاد لدوائر النضال هو الوضع السياسي السائد في العلاقة بين أشكال التدافع القائمة.فحالة التجزئة هذه بين السياسي و النقابي والثقافي والحقوقي والمدني وغيرها يضعف العائد المجتمعي الموجب ويرفع العائد السالب عند الشعوب. لكن في الوضع الثوري للشعوب، كوضع الشعب العربي في عصر الربيع الديمقراطي اليوم،تنقلب الحالة من حالة انتباذية centripète إلى حالة انجذابية centrifuge. وهي اللحظة الثورية في قاموس السياسة اليوم. فاللحظة الثورية هي حالة سياسية تنصهر فيها كل التناقضات و كل أشكال النضال والتدافع في تناقض سياسي واحد أوحد.يعتبره الحزبي و النقابي و المثقف و الحقوقي والاقتصادي وغيرهم هو العلاج الأوحد لكل التناقضات و الأزمات القائمة في المجتمع.فشعبنا العربي عاش تحت نير الاستعمار الغربي في منتصف القرن السابق،ومارس العمل السياسي و العمل النقابي و الثقافي و الحقوقي.لكن في لحظة معينة من وعينا السياسي تنبهت حركات التحرر العربي أن لا حل لمشاكلها السياسية و النقابية والاقتصادية والاجتماعية إلا بحل التناقض الأساسي في تلك اللحظة، ألا وهي تحرير شعوبنا من نير الاستعمار المباشروطرد المحتل. وهكذا انصهرت كل التناقضات ودوائر النضال في هدف سياسي واحد أوحد هو (( إنجاز مهام الاستقال)).وبهذا الانصهار والذوبان في هدف سياسي ملهم تشكلت اللحظة الثورية الأولى في وطننا العربي.واليوم يعيش الشعب العربي مع الربيع الديمقراطي اللحظة الثورية الثانية،لقد وصلت الأمة العربية و صفوتها المثقفة إلى درجة من الوعي اقتنعت فيه بأن الحالة الانتباذية للتدافع و النضال عاجزة عن تحقيق مصالحنا في التنمية الاقتصادية و العيش الكريم للشغيلة و الكرامة الانسانية. فانصهر العمل الحقوقي و التقافي و النقابي و الحزبي والاجتماعي والاقتصادي وغيرها في هدف سياسي واحد أوحد وهو (( إنجاز مهام الإصلاح الديمقراطي)).بل انمحت كل أشكال النضال في شعار مركزي هو:(( الشعب يريد تطهير البلاد من الاستبداد والفساد)). فاللحظة الثورية معناها خروج العمل السياسي من مرحلة التجزئة إلى حالة التوحد.فكل أشكال النضال تحولت لعمل سياسي مباشر.فالعمل النقابي عمل سياسي،و العمل الحقوقي عمل سياسي، و العمل الثقافي عمل سياسي،و العمل الحزبي عمل سياسي.والفرق بين العمل السياسي والعمل الحزبي هو أن غاية العمل الحزبي هو إنجاز البرامج من خلال جهاز السلطة الحكومية والتشريعية.وهو من مهام الأحزاب.أما باقي أشكال النصال كالنضال النقابي والحقوي والمدني فهو عمل سياسي لكن بوسائل غير حكومية. فاللحظة الثورية العربية اليوم هي وعي الأمة و الصفوة بأن لا علاج لمعضلة التأخر التاريخي بدون استرجاع شعوبنا لإرادتها الحق في اختيار ممثليها وحكامها، وسيادتها الحق على صناعة القرا السياسي في بلدانها. فاللحظة الثورية العربية اليوم غايتها إنتاج السلطة وإعادة توزيعها،وإنتاج الثروة وإعادة توزيعها،وإنتاج القيم القائدة وإعادة توزيعها،وإنتاج المفاهيم الفكرية الموجهة وإعادة توزيعها. لكن تعريف اللحظة الثورية فقط بالانتقال من الحالة الانتباذية إلى الحالة الانجذابية غير كاف لتعريفها، بل إن اللحظة الثورية هي القطع البنيوي مع العمود الفقري النظام السياسي السابق.بل مهمتها كسر هذا العمود، ثم الدء في بناء عمود فقري جديد للنظام السياسي.و العمود الفقري للنظام السياسي العربي قبل الربيع هو الفساد والاستبداد.فكسر العمود هو اللحظة الثورية، وبناء عمود جديد هو مسار الثورة الديمقراطية والذي قد يتطلب عقوداً وليس سنيناً. لكن ميلاد اللحظة الثورية في تاريخ الشعوب ليس وليد عوامل مفاجئة، بل هو تعبير على تراكم لسنن تاريخية واجتماعية ونفسية، تراكم كمي لها ينتهي إلى تغير كيفي في لحظة غير متوقع حدوثها، كما مثلتها لحظة إحراق بوعزيزي لنفسة بتونس.فأشعل بذلك لهيب الثورة الديمقراطية في الوطن العربي. فاللحظة الثورية تعبير عن سنة تاريخية عنوانها تمدد الديمقراطية في التاريخ وفي الجغرافية منذ ثلاثة قرون. وتعبير عن سنة اجتماعية وهو تراكم كمي معتبر للقهر في المجتمع العربي. قهر شامل مارسه الغزاة من الخارج والطغاة في الداخل.وتراكم كمي في وعي الأمة العربية بهذا القهر لعقود من الزمان.إن وعي القهر يجعل القهر أكثر قهراً، فيدفع صاحبه للتحرك للتحرر منه.و اللحظة الثورية العربية اليوم هي تعبير أيضاً عن قانون نفسي تخلصت فيه أمتنا من مرض الخوف السياسي كما عبرت عنها شعارت الثورات العربية (الموت ولا المذلة)،( نحن لا نستسلم، ننتصر أو نموت).إنها قيمة العزة تفجرت في كيان الأمة، فلا راد لها بإذن الله.
المصدر: التجديد نشر في التجديد



