بعد أن أزهرت الحياة وشاع نور الحرية والكرامة وعلت رايتها, سقط القناع وبدأت حليمة في العودة إلى عادتها القديمة رويدا رويدا, وعاد الصراع والتناطح والاعتقال إلى الظهور من جديد, وغابت معه لحمة العروبة والإسلام ووضع مكانها لغة أخرى لا يتقنها إلاّ أصحابها. وهذا يدفعنا إلى السؤال, هل أصبح ربيعنا خريفا في آخر المطاف؟
التعسف والاضطهاد وإبراز البعض لعضلاته على البعض الأخر, فهذا عمل في حد ذاته لا يسمن ولا يغني من جوع, كما أن تعالي الدعوة إلى التمرد يعتبر النقطة البارزة في الساحة الآن, والسمة التي تطبع وتتصدر جميع الصفحات الأولى في الجرائد والصحف العالمية. وحسب ما أشار إليه موقع لكم نقلا عن إحدى الوكالات للأنباء أن الناطق الرسمي لحركة تمرد التونسية بين أن من بين أهداف الحركة: ” الإطاحة بالمجلس التأسيسي الذي هو بصدد صياغة دستور يهدف لإقامة دولة غير ديمقراطية”, وهنا نسال عن ماذا ستستفيد تونس من هذه الحركة بشكل عام وغيرها من الدول العربية التي تدعو إلى مثلها؟ هل هو انقلاب كلي على الحكومات الإسلامية أم أن المشروع الإسلامي لا يروق للبعض؟ كيف تنظر هذه الحركة والحركات المشابهة لها إلى مصلحة ووحدة البلد؟ تتعدد الأسئلة وتتنوع وتختلف الأجوبة و من بين الأجوبة التي تواترتها الصحف هذه الأيام الأخيرة تهدئة الرئيس التونسي للوضع وان الوضع في تونس ليس كمثله في مصر بقوله: إن السلطات المنتخبة في تونس لا تواجه خطر الانقلاب عليها كما حصل في مصر. وحيث انه لا وجود للامان مع توالي الدعوات والخروج للشارع, فالحكومات الإسلامية مدعوة إلى التريث والتعامل بشكل سياسي متزن مع الوضع الجديد, والسعي في الوقت نفسه إلى ترسيخ مبادئ الديمقراطية والإنصات إلى آلام الشعب ومعاناته, ومحاولة معالجتها تفاديا للسقوط في مطب العودة إلى حالة الاحتقان قبل ربيع الياسمين. فبعد أن كان ربيعنا يضرب به المثل ها هو يعود أدراجه ويحمل بلدان ثورة الياسمين إلى حالة هيجان وفوران. فهذا يريد ويساند الرئيس أو الحكومة, والأخر يستنهض الهمم ويدعو إلى التدهور والتنديد بالحكم هذا من جهة, ومن جهة أخرى نجد حركات تدعو في المغرب على سبيل المثال الحكومة إلى الانسحاب وهنا نقول هل بدأت التماسيح والعفاريت في العمل وبدا التضايق من بعض الإصلاحات التي تحسب للحكومات الإسلامية, ورغم ذلك فهناك دعوات غربية يهودية لا يروقها ولم تستسغ يوما ما وصول الإسلاميين إلى الحكم, وهذا واضح للعيان لان مصلحة الغرب وضع العرب تحت الحذاء والدهس عليه متى لم يرضخ لأوامرهم وتعليماتهم وما العراق منا ببعيد. فالربيع شيء والخريف شيء آخر, فلنختار ماهو فيه مصلحة ووحدة بلداننا لنتمم ما بدأه أسلافنا ابتدءا من الغار وصولا إلى المدنية ومرورا بمجموعة من المحطات الحضارية والتاريخية التي نحن اليوم مدعوون إلى التعامل معها وبها بشكل فوري لنصل إلى رسم معالم الديمقراطية, وإسلام حداثي صدره رحب للكل إلاّ ما يمس منه المقدسات لان للمقدسات حرمات. ما نشاهده اليوم والأمس خصوصا في الديار المصرية لا يبشر بالخير حسب بعض الخبراء في المجال السياسي, إذ قد يحمل مصر إلى دكتاتورية أخرى أكثر من سابقتها. فالحضارة صناعة تحتاج منا صبرا. وما أثارني في الأحداث التي وقعت مؤخرا هي التصريحات التي يطالعنا بها اليهود المحتل للأراضي الفلسطينية التي تحمل في طياتها معاني في ظاهرها أنهم لا يد لهم فيما حدث ويحدث في دول الربيع العربي, وفي باطنها حقدا وانتظارا لسياسة يستطيعون بموجبها التطبيع والتعامل معها بكل طمأنينة وسلام, فالمشهد يدعو إلى التدبر والتفكر, فبعد أن كان الشغل الشاغل للعرب هو القضية الفلسطينية وانتفاضاتها الشعبية في صراعها مع الاحتلال الصهيوني الغاصب, ها نحن نرى اليوم أن كل العرب يقول: )اراسي يا راسي..(بفعل فاعل.
المصدر: لحسن بلقاس نشر في لكم

