من حق السيد عبد الإله ابن كيران أن يقول إن حزبه نال أغلبية المقاعد بتفويض من الناخبين لا عن طريق التزوير،و إنه أول رئيس حكومة معين من طرف الملك في المغرب ، وإن زعماء الأحزاب بما فيهم المعارضة ، زاروه وقدموا له التهنئة واعترفوا بشرعية ونزاهة الانتخابات ، وإن العواصم والمحافل الدولية التي زارها اعترفت بشرعيته واستقبلته رئيساً للحكومة ، ومن حقه أن يقول إن المغاربة فوَّضوه لولاية كاملة لا يصح اختصارها تحت ضغط المعارضة … من حقه أن يقول كل ذلك ، لكن من واجبه الالتفات إلى عامل الوقت فهو سيف ذو حدين إذ لم تقطعه قطعك.
يستطيع السيد عبد الإله ابن كيران أن يقول إنه ليس رئيس حكومة معزولاً، وإن الحزب الذي وَفَدَ منه عميقة جذوره في المجتمع المغربي -على الأقل- من ناحية مرجعيته ، وإن الإسلاميين بكل أطيافهم لن يقبلوا بالتخلي على أول رئيس حكومة إسلامي في المغرب ، وإنه قادرعلى حشد ملايين الموالين له لمواجهة معارضيه ودحض مزاعم وفرة مؤيديهم ، وعلى رغم ذلك ، من واجب رئيس الحكومة الالتفات إلى عامل الوقت فهو سيف ذو حدين إذ لم تبتره بترك. في المقابل ، لا يستطيع رئيس الحكومة أن يضع كل المعارضة في كفة ميزان واحد واتهام الكل – دون تمييز- بأنهم مجرد عفاريت وتماسيح وشياطين أو مآجوين إن خف التصنيف والنعت… يحنّون إلى العهد السابق ، عهد الفساد والإفساد..عهد استغلال النفوذ ” أو بَّاكْ صاحبي”. استُهلكت هذه اللعبة من فرط ما استعملت واستخدمت ووظفت. لا يستطيع رئيس الحكومة إنكارأن ما يقارب السنتين الأوليين من عمرحكومته تميز باضطراب مريع وعمق في الانقسام بين تحالفها ، وأنه خيب آمال جل من صوتوا له من خارج حزبه أو تياره خوفاً منهم أن يؤدي عدم اقتراعهم الى فوزالأحزاب المنبوذة التي عاتت في البلاد نهبا وفسادا.. لا يستطيع رئيس الحكومة أيضاً إنكارما تقره الإحصائيات وتقوله الأرقام عن تدهورالاقتصاد وتزايد البطالة والفقروالجريمة وتدهورالخدمات والأمن. لا يستطيع أيضاً إنكار تزايد الاعتقاد أن السنتين الأوليين من عمرالحكومة كشف الافتقار إلى الخبرة والأطرالمؤهلة القادرة على إدارة الدولة بمنطق الدولة. تدفعني غيرتي وحبي لهذا الوطن وأهله الى متابعة كل ما يحدث ، أعايش عن قرب وأشاهد واستمع ثم أقرأ خطابات و تصاريح وآراء لقادة من الحكومة والمعارضة وإعلاميين والمثقفين ..بل حتى المواطنين العاديين الغير منتمين أو المسيسين الذين توهموا أن “الإستثناء المغربي” سيفتح أبواب الأمل، وسيجعل المعيشة أقل صعوبة ، وسيعيد إلى المغرب رسوخه في هويته وروحه ومجده ورقيه. ومن خلال المتابعة انتابني خوف شديد من قادم الأيام ، شعرت من خلال الأفكاروالتعاليق والآراء المتضاربة ، أن ملايين المغاربة يغشاهم خوف عميق وقلق غيرمسبوق وسخط على واقع لم يعد يخشى التعبيرعن نفسه، هذا خائف من إفلاس المغرب بسبب حجم الدين الخارجي الخام الذي يتراكم شهرا بعد شهر، وهذا خائف من التلاعب بروح المغرب ومرجعيته الإسلامية بسبب اغلاق دور القرآن وفسح المجال لمهرجانات العري والإنحلال بدءا بموازين وهلم جرا….، وثالث يقول إن حكومة “ابن كيران” هي نفسها ” حكومة عباس الفاسي لكن بسحنة إسلامية ” ، ورابع يقول إن حزب “العدالة والتنمية ” تحرق أوراقه وإنه في تآكل مستمر، وخامس يحذر من “أخونة” المجتمع المغربي على غرار مصر،وسادس يقول إن على السادس أن يتدخل قبل انفجارالشارع . أرغمتني الذاكرة الى استرجاع الماضي القريب كي استقرأ الأحداث ،فكان شعوري أن المخزن فاجأ الشارع بتجاوبه السريع ، وأن الكل بمن فيهم القوى السياسية لم تتوقع ذلك ولم تستعد ، وأن المخزن تصرف كمن اقتربت العاصفة نحوه فوجب الإنحناء بعض الشيء ولفترة رغبة في التخلص من رياحها الهوجاء ، لهذا أسرع وانحنا ، وأن ” ابن كيران ” ارتكب بتحالفه مع أحزاب حربائية شيمتها الغدروالانقضاض على الوليمة، ” مجازفة كبرى” لا ” تضحية كبرى ” بحزب العدالة والتنمية ” خاصة و”الإسلام السياسي في المغرب” عامة وربما بالبلد أجمع لا قدر الله. أخطأ “ابن كيران ” في قراءة رسائل المخزن التغزلية والوعود المعسولة ، وفي حدود التفويض تراكمت الأخطاء والتناقضات بفعل أسلوب تعامله مع الدستورالجديد بما فيه من صلاحيات خولت له ، وتعامله مع القضاء وإدارة الدولة وتجاهله روح المغرب ومرجعيته وهويته . تراكم الأخطاء والتناقضات بدأ يوقظ جمرالحراك من تحت الرماد الذي أخمد رئيس الحكومة ناره ذات يوم ، بدأ يوقظ لينذر بتحرك الشارع من جديد ، يصعب توقع اقناعه مرة أخرى بعدم جدوى الإحتجاجات والمظاهرات ” 20 فبراير” ، لكن الأكيد أن قيادة ابن كيران للسفينة ستكون مضنية بلا شك ، فلا شيء أسوأ من محاولة قيادتها وسط رياح الشارع التي تريد دفعها ابحارا الى برالإصلاح وشاطئ التنمية ، وأمواج المخزن التي تلطمها حتى تعيق عملية الإبحار.
المصدر: أحمد الإدريسي نشر في الرأي المغربية

