إن مظاهر التجديد والإبداع في المجال الدعوي ضعيفة ومحدودة، رغم طول تجربة الحركة الإسلامية في هذا المجال، ولعل أكبر شاهد على ذلك هو الرؤى الدعوية لأكثر الحركات تمسكا بشعار التجديد والاجتهاد في عملها، حيث تخلو أوراقها تماماً من الإشارة إلى ثقافة المشروع ومفرداته النظرية، فالأدبيات الدعوية للحركة الإسلامية عموما، تقف عند وجوب الدعوة وحقيقة وجودها الواقعي، ومواصفات الخطاب الدعوي وأولوياته، من دون التطرق إلى مبادئ وشروط المعاصرة الدعوية، وقد أثبتت التجارب أن زادا من هذا القبيل عائده على الدعوة ضعيف جدا، فالتحول نحو ثقافة المشروع في العمل الدعوي يبدو حاجة أساسية ومستعجلة لإيقاف الهدر المادي والمعنوي وتجديد العمل الإسلامي، ونتصور أن العناصر التالية: دراسة الحاجة، المنتوج الدعوي، التسويق والدعاية الدعوية، تقويم الحصيلة الدعوية (الربح)، نقط العبور الرئيسية نحو هذه الثقافة.
أ- دراسة الحاجة: تعتبر دراسة الحاجة من المقدمات الضرورية التي ينبني عليها انتخاب المشاريع في الفكر الاقتصادي المعاصر، وفي غيابها يفقد المشروع حظوظه في النجاح، ويتسع حجم الصدفة والمفاجأة على مستوى النتائج المنتظر منه، فدرجة القابلية للاستهلاك والنفاذ، يتوقف قياسها على هذه الدراسة وفعالية الأدوات التي استعملتها، ومن ثم الموافقة على مشروع معين في غياب درجة معقولة من القابلية للاستهلاك لدى المستهدفين ضرب من العبث في الاقتصاد المعاصر، والعمل الدعوي من حيث الشكل يحاكي النموذج الاقتصادي في نقاط كثيرة، الأمر الذي يجعل الاستفادة من الثقافة الاقتصادية أمرا محبذا إن لم يكن ضرورياً. إن الممارسة الدعوية المعاصرة تعتريها اختلالات كثيرة من هذه الناحية، فعدد من المناطق تعاني من آفات وانحرافات أخلاقية ظاهرة، غير أن ردود الفعل الدعوية وفي غالب الأحيان تبقى بعيدة عن هذه الانحرافات ولا تعالجها. فهناك من بين المناطق في المغرب مثلا من تكثر فيها الدعارة إلى درجة لم يعد من بين الناس من يجهر بالإنكار ويعمل على معالجتها ومحاربتها، كما أن هناك مناطق أخرى تشتهر بتعاطي الخمور والمخدرات، وأخرى تشتهر بتفشي الجريمة والغش…، ففي مثل هذه المناطق من التفاهة والعبث الدعوي أن يقفز الدعاة عن هذه الآفات/الحقائق ويهتموا بغيرها. فمنطق الحاجة يقتضي تجنيد جميع الإمكانات البشرية والمادية والسياسية من أجل وضع حد لهذه الكبائر المدمرة، فالارتكاز على الحاجات الواقعية للمجتمع في صياغة أهداف ورهانات الفعل الدعوي أحد المداخل الرئيسية في هذا المجال، وأيضا مقدمة لتغيير أساليب التخطيط للفعل الدعوي وتقنياته من ناحية أخرى. ب-المنتوج الدعوي: هو فكرة مجسدة في فعل (حركة) أو موقف أو شيء، ومرفقة بدليل للتنفيذ والاستعمال، في صيغة برنامج محدد وكيفية معنية، وتهدف في نهاية المطاف لتلبية حاجة من الحاجات الأخلاقية للمجتمع، وباعتبارها كذلك لابد فيها من قدر وافر من الإبداع.ولابد لهذه الفكرة من الناحية الفنية أن تحترم مجموعة من الضوابط والمفاهيم، التي اتفق عليه أهل الميدان، فكلما فكرت هيئة من الهيئات الدعوية في تلبية حاجة دعوية (محاربة آفة تربوية وأخلاقية) كان الطريق الأقرب والأقصر نحو هذا الهدف إصدار «مطوية» أو شريطاً في الموضوع وحركة التوحيد والإصلاح المغربية على سبيل المثال، عمدت وفي أكثر من مناسبة، إلى إصدار بعض المنتوجات الدعوية بالمواصفات السالفة مثل «مطوية الصلاة»، شريط صوتي حول آفة الخمر، طبع بعض الكتيبات…، غير أن هذه المنتوجات على أهميتها أصبحت تقليدية ونفعها ليس مطلقاً ومجردا من الأحوال. ج- التسويق والدعاية الدعوية: من أهم عوامل نجاح المشاريع عموماً بما في ذلك المشاريع الدعوية، الدعاية وتقنيات التسويق والترويج، والملاحظ أن استفادة الدعوة من هذه التقنيات والأساليب لا زال ضعيفا ومحدوداً، ففي بعض الأحيان تستطيع الدعاية وحدها أن تغطي على عيوب ونواقص عناصر المشروع الأخرى، سواء فيما يتعلق بدراسة الحاجة، أو قيمة المنتوج، فالإشهار اليوم آلة حرب إيديولوجية فتاكة، ففي فرنسا وحدها يتعرض الفرد يومياً إلى أكثر من 2500 عملية قصف إشهاري أو إعلامي، في الشارع، في وسائل النقل، وفي وسائل الاتصال.
المصدر: التجديد نشر في التجديد

