كثيرة هي الحالات التي يتواعد فيها أحدنا مع صديق ليلتقيا في مكان معين وفي وقت معين ولغرض معين، وحضرت في الوقت أو قبل الوقت بقليل فلم تجده، فاتصلت به فأخبرك أنه على مقربة منك، فانتظرت زمنا طويلا فلم يأت، واتصلت ثانية فوجدته لم يبرح بعد منزله، فلم يأت حتى كدت تنصرف فتأسفت على ضياع الوقت؟ مثل هذا المشهد يمر في حياتنا ويتكرر، ويقتضي طرح سؤال عن سبب مخالفة الكلام في ذلك المشهد وفي غيره من المشاهد للواقع، هل يمكن سحب صفة الكذب على تلك المشاهد؟ أم أن الأمر يتعلق بمراوغة القصد منها التحايل على الشخص الآخر حتى لا يبرح المكان المتفق عليه فيضيع الغرض من ذلك اللقاء؟ أم أن الأمر ينم عن مشكل داخل المجتمع يتعلق بضبط المواعيد والوفاء بالعهود والحضور في المكان المحدد ليس في الوقت بل قبل الوقت بقليل؟ وما المشكل في أن يكون الإنسان صريحا؟ هذه الأسئلة هي التي تحاول هذه النافذة من «التجديد» الإجابة عن جزء منها.

قصة عجيبة حدثنا أحد الأصدقاء قال: سأقص عليكم قصة واقعية عاينت تفاصيلها: خرجنا في يوم من الأيام من مدينة الرباط عبر محطة القطار الرباط المدينة ، فانطلق بنا القطار يطوي المسير طيا، وكان معنا في مقصورة القطار رجل يظهر من شكله ومظهره أنه تاجر ، رن هاتفه فلم يتردد في الإجابة (حنا خرجنا من الرباط ، حنا قْربنا حنا قْربنا من الدار البيضاء ) فما أقفل هاتفه، وما كاد يلتفت إلى من حوله حتى رمقه الركاب بنظرات ناقصة كأنهم يعاتبونه على صنيعه، فالدار البيضاء مازالت بعيدة وهم خرجوا من توهم من الرباط . رن هاتفه ثانية، ولأنه ربما لا يريد أن يفلت الموعد، وأراد أن ينتظره صاحبه المتصل من الدار البيضاء ، فقد أجابه ثانية (حنا في المحمدية )، فرمقه ركاب المقصورة ثانية معبرين بتقاسم وجههم وضحكاتهم عن عدم رضاهم. يواصل صديقنا: قال: العجيب أن الرجل أخلد في مقعده لقليل من الراحة فغلبته سنة من النوم، ولم يوقظه منا أحد جراء صنعه الذي سلف، فما استفاق حتى وصل بنا القطار إلى محطة برشيد . حكم في الوعد والمطل قال حمادة عبيد أحمد إبراهيم باحث وصاحب فهرس مبتكر للقرآن الكريم، في «الموسوعة العربية حتى سابع القرون الهجرية» باب «الوعد والمطل» «قال أعرابي: العذر الجميل، أحسن من المطل الطويل، فإن أردت الإنعام فأنجح، وإن تعذرت الحاجة فأفصح. وقيل: أمران لا يسلمان من الكذب: كثرة المواعيد وشدة الاعتذار. وقال بعض القرشيين: من خاف الكذب، أقل من المواعيد. وقيل: الوعد إذا لم يشفعه إنجاز يحققه، كان كلفظٍ لا معنى له، وجسم لا روح فيه. المسألة أخلاقيا غير صحيحة يقول عبد القدوس أنحاس داعية وخطيب جمعة بالرباط ، الإنسان الذي تضرب معه موعدا ولا يأتي، أو تتفق معه على موعد فيقول بأنه قريب وهو لم يخرج قطعا من داره ومنزله فهذه آفة من الآفات التي أصابت المجتمع، وتدل على عدم ضبط المواعيد وعدم التدقيق وعدم احترام الآخر. مؤكدا بأن المسألة أخلاقيا غير صحيحة، وفيها تمظهرات سلبية على بناء شخصية الإنسان. ويرى أنحاس أن سبب هذه المشكلة تنطلق في تصوير البعض وترويجهم بأن الشخصية التي تراوغ في المواعيد والالتزامات هي شخصية الشهامة ، مضيفا في تصريح ل«التجديد»، أن البعض بدأ يخوض معركة الالتواءات في المواقف، ويضفي عليها صبغة الحضارة والتفوق الذهني، وأصبح البعض يتحلى بها ويتجمل. ويضيف أنحاس بأن الإنسان يجب أن يكون صريحا في هذه المسألة ولا يكذب، لأن الكذب منهي عنه. مؤكدا أن المسألة يمكن اختزالها في أن هذا الإنسان يتحدث من موقع ضعف الشخصية، وضعف الشخصية يملي عليه عدم الصراحة، وعدم الصراحة تملي عليه وضع الكذب، وبالتالي يصبح هذا موقف من المواقف. وينبه المتحدث من أن يتحول ذلك إلى موقف من المواقف التي صنفها الرسول صلى الله عليه وسلم في باب الكذب حينما قال: (ومازال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا)، وحذر من أن يتحول بعد ذلك إلى ما يسمى النفاق، والذي جعل الرسول صلى الله عليه وسلم من صفاته (إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان). شخصية المسلم شخصية واضحة يؤكد أنحاس بأن شخصية المسلم شخصية واضحة وبسيطة جدا، وليس فيها التواءات وليس فيها انعراجات، قائلا «فيجب أن يكون الشخص صريحا وواضحا حتى في أحلك الظروف، فليس هناك إشكال في أن يقول إذا لم يخرج بعد من داره: لم أخرج من الدار ، أي لم أخرج، وإذا لم يقدر يقول لم أقدر يعني لم أقدر، وإذا لم يرد فعل شيء يقول لن أفعل هذا الشيء، يعني لن أفعله، ويتساءل أنحاس لماذا لا نكون كهذه الشخصية، مردفا فهذه الشخصية هي المفروضة بأن تكون صفاتها فينا، لكننا للأسف لم يصل الكثير منا إلى ذلك». ويقول أنحاس إن بعض علماء النفس يقولون: إن شخصية الإنسان المتخلف مطبوعة بعدم القدرة على المجابهة، وعدم القدرة على الصراحة، وعدم القدرة على إبداء الصراحة، كما هو حال الشخصية المغربية والتي تعمل دائما على إخفاء العيوب. يقترح أنحاس لتجاوز هذه العادة السلبية أن يقطع الشخص في مواعيده وأن يقطع في عهوده وأن يكون شخصية قوية جدا، مضيفا بأن على الإنسان ألا يكذب كما في الحديث النبوي، لأن الكذب يطعن في عمق الإنسان، وأن يحترس من النفاق ومن كلمة الكذب، وهي الأشياء التي تضرب في عمق الشخصية المسلمة. قائلا: فالإسلام أراد من الشخصية الإسلامية أن تكون في بياضها ونصاعتها.

المصدر: عبد الله أموش نشر في التجديد

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version