كانت الترجمة قديما تكتسي أهمية بالغة لأهميتها الأساسية في نقل العلوم والمعارف، إضافة إلى التواصل بين الشعوب والمجتمعات. ونظرا لتقدم شعوب وأمم وتخلف أخرى، مع اختلاف اللغات والثقافات والعادات في ما بينها، كان لا بد من فرق من المترجمين يتولون مهمة نقل أسرار التقدم التي عرفته تلك الشعوب إلى لغات شعوبهم المتخلفة لكي لا تتخلف عن الركب كثيرا. وبذلك كان للترجمة أهمية كبيرة وبالمترجمين اهتمام أوسع.

ولقد عرفت اللغة العربية والترجمة منها وإليها تطورا كبيرا وازدهارا غير مسبوق خلال العصور الوسطى دام أكثر من قرنين، حيث ترجم العرب فلسفة وعلوم اليونان والفرس والروم. هذا الأمر سهل في ما بعد للأوروبيين وغيرهم الاطلاع على تلك العلوم والفلسفات ونقلها من العربية إلى لغاتهم. وسط هذه العملية كلها وهذه السياقات كلها كانت مسؤولية المترجمين مسئولية ضخمة، من جهة تبدو مهمة ومن جهة ثانية تبدو خطيرة. مهمة، لأن كفاءة المترجم وشخصيته وتكوينه ودوره أمور محورية لتحقيق التواصل بين تلك الأمم وتبادل المنافع في ما بينها حيث كان الجميع في أمس الحاجة إليها. فبدونه لكانت قد تعطلت كل تلك العملية. وخطيرة، لأن اجتهاداته قد تقوده للمحاكم والسجون والإعدامات كما وقع للكثيرين طيلة سنوات وقرون. فهو من جهة بين مطرقة الوفاء للنص الأصل وسندان ما تطلبه اللغة المترجم إليها من جهة أخرى، مع مراعاة رسالة النص المترجم منه ومحاولة عدم المساس به خاصة حين يتعلق الأمر برسائل بين الملوك والرؤساء والحاكمين. لكن مع تطور العلوم وانتقال المجتمعات إلى التركيز على الآلة كمحرك للعالم والسياسة كمجال اشتغال واسع لتنظيم العلاقات بين الناس أفرادا وجماعات ودول وقى وحلفاء، لم تعد الترجمة مجرد نقل للنصوص من لغة إلى أخرى أو من ثقافة إلى نظيرتها، بل أصبحت –الترجمة- محركا وعاملا أساسيا في العلاقات بين الدول. ويشهد التاريخ في هذا الصدد كيف أن الترجمة في بعض فترات التاريخية كان السبب الأول والأخير في توثر علاقات بين دول والعكس كذلك صحيح. في عصرنا الحالي، الأمر يزداد أهمية. فرغم أن اللغات لم تعد لها نفس الأهمية في المتابعة اليومية لمجريات الأحداث والعالم، بعدما تطورت آلات ووسائل الاتصال والتواصل والمعلوميات وأصبح العالم شبه قرية صغيرة بإمكان العالمين متابعة تفاصيل تحركاتها دقة بدقة دون الحاجة إلى شرط ضبط لغات عديدة. وهنا لا يمكن الجزم أبدا بان الخطأ في الترجمة هو أمر سهل، في أي نوع من الترجمات. فللنص الأصلي صاحبه شخصا كان أو كيانا، وبذلك فله حقوق ينبغي أن تصان. ومجرد انحراف بسيط في معنى النص أثناء عملية الترجمة، فهو يعد انتهاكا لحق إنساني تصونه الأديان والقوانين والشرائع. أما حينما يرتبط الأمر بالعلاقات الدولية والسياسية فالأمر أعظم. هناك مثالين بسيطين في مظهرهما لكن في محتواهما أعمق. المثال الأول هو ما أحدثه المترجم المعتمد لدى إحدى القنوات التلفزيونية في إيران من تحريف لخطاب الرئيس المصري محمد مرسي أثناء زيارته إيران بمناسبة انعقاد قمة دول عدم الانحياز التي شارك فيها وألقى خطابا قويا انتقد فيه سياسات الرئيس السوري بشار الأسد الذي يقمع شعبه. أما النموذج الثاني فهو ما وقع من تحريف كذلك لتصريحات الناطق الرسمي لجماعة العدل والإحسان بالمغرب والتي صرح بها لوكالة الأنباء الفرنسية حول قضايا الشأن العام بالمغرب وتطورات المرحلة، قام به أحد المترجمين حيث قول الرجل ما لم يقل وأعاد الهامش أصلا والأصل هامش. باختصار حرف كلامه. وهذا معناه انه حرف مواقفه ونسب إليه ما لم يقل، وما دام الرجل هو الناطق الرسمي للجماعة فهذا معناه أنه حرف مواقف الجماعة. ونفس القول ينطبق على المثال الأول. مثل هذه الأحداث ليست وليدة عصرنا، بل وقعت مرارا وتكرارا في تاريخ السياسة وعلاقتها بالترجمة وفاء أو خيانة وتاريخ الأدب والحروب والعلاقات الدولية… لكن الأهم في مثل هذه الأحداث هو أنها لما تقع تعيد إلى الحسبان ضرورة مناقشة مثل هذه المواضيع نظرا لأهميتها وأساسيتها في تصحيح أمور ينبغي دوما الوقوف عندها. لن ندخل في تفاصيل الحدثين. ولكن دعونا ننظر مليا في ما وراء ما الذي حدث. في المثال المتعلق بالمترجم الإيراني ، لا مجال للشك في أن الدواعي التي وقفت وراء فعلة المترجم هي دوافع إيديولوجية سياسية، وبدرجة أكبر طائفية حتى لا نقول دينية. وبغض النظر عن مواقف مرسي من الثورة السورية ومواقف إيران ، فالمترجم وقع في انزلاق خطير جدا وهو ذو الأصول السالفة الذكر لكنه قانونيا وشرعيا وفكريا ارتكب حراما. أكبر انزلاق يمكن أن يقع فيه المترجم هو التدخل في النص الأصلي بالزيادة أو بالنقص من شكله أو معناه أو محتواه. وإذا جيز هنا أن نقول بأن النص الأصلي دائما هو ملك “مقدس” في ملكيته صاحبه. هو أمانة بعث بها لقرائه فينبغي لكل من يريد أن يوصلها لهم أن لا يحدث فيها أي تغيير. وإلا لما كان أمانة، والأمانات لأهلها. ولا يستبعد أن تكون الدوافع السياسية نفسها وراء تحريف تصريحات الأستاذ فتح الله أرسلان. لأنها تصريحات لم تعرف ولم تقف عند حدود الخطوط الحمراء التي يرسمها لنا البعض في هذا البلد. أرسلان قال الحقيقة كما يراها بشان الحقل السياسي في المغرب وانتقد استفراد الملك بالسلطة وتركه الهامش فقط للحكومة، وهذا معناه –هذا كلامي- انه يتحمل كامل المسؤولية ومعه محيطه والحكومة أيضا كامل المسئولية في كل الفشل الذي أصاب ويصيب بلدنا الكريم. وهذه حقيقة واضحة وضوح الشمس. فالمترجم الذي حاول أن يقول عكس هذا الكلام كمن يخفي الشمس بواسطة الغربال. الحقيقة هي الأخرى تترجم، ومن يخفيها فكمن يترجم الأكاذيب وهذا هو اكبر انزلاق قد يقع فيه المترجم. محمد الوحماني الرباط – المغرب

المصدر: محمد الوحماني نشر في أزيلال أون لاين

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version