رغم شقاوة الدهر و الأعمال و كثرة الإرهاق بالتفكير يضل العالم حيا في وجدان النعيم متمرغا في أوحال الكرامة, بينما يعيش الجاهل متربعا على عرش الجهل, متنعما بالشقاوة, مسرورا فرحا مبتهجا, محتفلا بأعياد الدنس و حفلات التنكر الثقافي الذاتي, كما قال المتنبي:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله و أخ الجهالة في الشقاوة ينعم. و هذا البيت الشعري ينطبق-للأسف- وصفا و تحليلا على واقعنا المر الذي يندى له الجبين, و يحمر الفؤاد من ذكره خجلا, نظرا لما يعانيه التعليم في بلادنا من مشاكل و إكراهات, على كل المستويات التي تهم الأطر التربوية عامة و التلاميذ خاصة الذين يدفعون الثمن غاليا بدفعهم لضرائب أخطاء المسؤولين على التربية و التكوين, المتاقبين على تحمل وزر التعليم منذ الإستقلال –المفترض أن يتمتع به المغرب من خمسينيات القرن الماضي- إضافة إلى جملة من الإشكالات التي تعاني منها فضاءات التحصيل الدراسي من هشاشات البنيات التحتية و قلة الوسائل التربوية, و انعدامها أحيانا. فعوض الإنكباب على الموضوع الآفة و محاولة إيجاد حلول موضوعية ترفع من المستوى المتدني للتعليم و تزكي الإقتراحات الأكثر عقلانية, و ترسم خارطة طريق تضع قضية التعليم على سكة الإصلاح البناء لتخلصه من لعنة التأخير, نجد مسؤولي التربية و التعليم يتبادلون الإتهامات و إشارات اللمز و الهمز, ضاربين عرض الحائط غير مبالين, كل واحد منهم يجر التعليم من جهته جرا, حتى انتهت مسافة المنطقة الممددة فتمزق التعليم تمزقا يستحيل جمعه من جديد في مدة قصيرة, كل قطعة من قطع التعليم تمثل جبالا من المشاكل لا تتسع رقعة المقال لسياقتها كلها و الوقوف عليها بشكل جلي. فالأستاذ يعاني من قصر ذات اليد و قلة الحيلة, خاصة و أن الأسعار في ارتفاع مستمر و الحاجيات في تزايد مهول بتزايد الأعوام و السنين, خاصة الأساتذة الآباء لأن متطلبات الأولاد و الأسرة تثقل كاهلهم و تجعلهم ينتظرون أجرتهم على أحر من الجمر, فارتفاع الأسعار دون رفع الأجور يحدث خللا في الميزانية المتواضعة للأستاذ. أما المشاكل التربوية فظاهرة و لا تخفى على ملاحظ فيكفي مراجعة المقررات الدراسية للوقوف على تناقضات عدة, و كميات هائلة من المعلومات الغير النافعة إضافة إلى المدد الزمنية القصيرة للحصص التعليمية مع ربط الأستاذ بالمقرر الدراسي دون أن تكون له سلطة الإختيار في المواد التعليمية فهو ملزم بإنهاء مقرر دراسي في أجل مسمى ما يجعل الأستاذ بين مطرقة المدة و سندان هول المقرر, فرغم عدم استيعاب التلاميذ لبعض القواعد المهمة يضل مرور الكرام على الدروس سمة من سمات التعليم. أما مشاكل التلاميذ فتضل سيدة الموقف لأن معاناتهم جراء التعليم المتدهور تتزايد سنة بعد أخرى, مما يوشك على تدمير صمام الأمان لسفن تكوين أجيال الغد, فالغيابات المتتالية للمدرسين بمبررات أو بدونها تزيد من حدة الإشكال خاصة إبان فترة الإمتحانات ما يجعل التلميذ يواجه مصيره لوحده فيغامر بإجراء الإمتحان في دروس لم يكن حظه يسمح للمدرس بتلقينه لمفاتح التمارين, كما أن البنيات التحتية متدهورة و المنح الدراسية غالبا ما تتأخر و هلم جرا… مشاكل فوق مشاكل, إلا أن المطلوب من الجهات المسؤولة إتخاذ الإجراءات اللازمة قصد الرفع من مستوى التعليم ببلادنا خاصة و أن المغرب يتوفر على طاقات و أطر تربوية ذات كفاءات عالية من شأنها إنجاح المنظومة التربوية البديلة, فلا حاجة تنقصهم غير إعادة تنظيم الدراسة بشكل يتناسب و حاجيات المجتمع, و تسوية أوضاع رجال التعليم و الطلبة. فالتعليم قضية تكتسي أهمية عظمى, فهي الضامن الوحيد للتقدم و الرقي, فبالتعليم يصنع رجال الغد و ينتج المجتمع رجالا صالحين مصلحين, و به تترسخ روح المسؤولية و المواطنة الحقة في المجتمع, فينتشر الوعي الإنساني و يتلاشى الجهل الحيواني, فتعيش الأمة عصر الأنوار, و تقطع أواصر الإتصال بالجهل و التخلف, فبالعلم تنجلي ظلمات الشقاوة و تظهر نعم النور لتحيي إنسانا قادرا على مجابهة الصعاب و مقدرا لجسامة المسؤولية, لذلك لابد من دراسة الواقع دراسة معمقة تفضي في النهاية للوقوف على حاجات المجتمع من الموارد البشرية, فبدونها لن نتوصل إلى نتائج ترضي الجميع, فالحلول العشوائية لا تسمن و لا تغني من جوع, لأن دراسة الواقع تمثل نصف الحل قصد معرفة حاجة المجتمع أولا, و من تم يبقى التركيز على آليات العمل و مستلزماته, مع الأخذ بعين الإعتبار الوضعية المزرية للتعليم ببلادنا, و المرتبة المخجلة التي يحتلها عالميا. مصطفى أيتوعدي [email protected]
المصدر: مصطفى أيتوعدي نشر في أزيلال أون لاين

