بعد فتنة صندوق المقاصة ومخصصات الفقراء التي يعلم الله وحده مداها، جاءت فتنة الحوار الاجتماعي، التي استغلها بنكيران ليستعرض مهاراته في تحليل الربيع العربي والثورات وإمكانيات عودة “بعبع” هذا الربيع إلى المغرب، مهددا أطراف الحوار الاجتماعي بالويل والثبور إنْ هم لم يقبلوا مقترحاته الملخصة في عبارة العاطي الله أو ما عندي منعطيكم. فالحوار الاجتماعي ليس منبرا للخطابة والتمرين على أدوات الإقناع، وليس مكانا لإبراز السطوة والسلطة، وليس هو مجال الانقلاب على الطريق الديمقراطي الذي من أسسه الحوار بين كافة أطراف المجتمع، من حكومة وبرلمان وأحزاب ومؤسسات مجتمع مدني وفاعلين اقتصاديين. بنكيران لا يميز بين مقامات الخطابات والقول، فهو يخلط بين خطاب الوعظ والموعظة وخطاب البرنامج السياسي وخطاب رئيس الحكومة، ويمكن أن تختلط لديه وحده كل مقامات الخطاب، ولا مجال عنده “لكل مقام مقال”، فما يصلح للجنائز يصلح لديه لمواجهة المركزيات النقابية الأكثر تمثيلية ويصلح لتدبير الشأن الحكومي ورئاسة مجلس الحكومة. فخطاب بنكيران يجمع بين الدين وقلة الدين، يبدأ بالبسملة والحوقلة وينتهي بمواجهة خصومه بلغة تتميز بالبشاعة ولا تستقيم مع منطق الدولة الديمقراطية، التي تحترم قواعد الحوار الاجتماعي. فالحوار الاجتماعي هو آلية تنظيم العلاقات المهنية، يجمع بين الحكومة كمشغل في إطار الوظيفة العمومية وكضامن لتطبيق القوانين وتنفيذها، وبين الباطرونا كمشغل في إطار القطاع الخاص، والهيئات النقابية حاملة الملفات المطلبية، وهو الركيزة الأساس لتطوير العلاقات الاجتماعية والمهنية بين الأطراف الثلاثة. ويمكن أن تتميز العلاقة بين الأطراف الثلاثة بثلاثة مستويات، أي أن تكون علاقة شد الحبل أو علاقة هدنة أو علاقة سلم اجتماعي، وهذه العلاقة الأخيرة هي السعي الدائم لدى النقابات لأن السلم ينبني على التوافق حول حل النقاط المطلبية. ويمكن أن تعود البلاد من نصف الطريق وهي متوجهة نحو السلم الاجتماعي إلى مرحلة شد الحبل. وقد عرف المغرب زمنا كان باب الحوار فيه مغلقا وكانت الأداة الوحيدة بيد النقابات هي الإضراب وشل حركة الاقتصاد كوسيلة للضغط على الحكومة والباطرونا. وحاول أطراف العلاقة الثلاثة تجاوز هذه المرحلة من خلال إقرار آلية الحوار الاجتماعي الذي ينعقد مركزيا وقطاعيا، وعاش المغرب فترة من الهدنة الاجتماعية كمرحلة نحو سلم اجتماعي، والهدنة الاجتماعية فيها تضحية من كافة الأطراف. لكن الخطاب التهويلي لبنكيران تجاه أطراف الحوار الاجتماعي سيهدم كل ما بناه المغرب في هذا المجال. خطاب يخوف الباطرونا التي تعيش على الأعصاب ويقول للنقابات “سيرو تعومو فبحركم”. إن خطاب “العاطي الله” أو معندي منعطيكم، هو الفتيل الذي يمكن أن يشعل نار الفتنة التي لن تتضرر منها الحكومة وحدها ولكن البلد برمته. فهل يبحث بنكيران عن الفتنة والفوضى؟
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

