تستعد دول “الربيع العربي” لبدء عام جديد بين صراعات سياسية معقدة، وشعوب تفقد صبرها في التطلع لحياة أفضل، في ظل تعثر اقتصادي يكاد يهدد بإفلاس بعضها، ودون الاقتراب من تحقيق تطلعات فشلت الأنظمة السابقة في توفير ولو جزء منها لشعوبها على مدار عقود، وكانت سببا في الانقلاب عليها. قد تتباين الرؤى حول كشف حساب المرحلة الانتقالية الطويلة من حيث المكاسب والخسائر خلال العامين الماضيين، ولكن ما لا يمكن الاختلاف عليه ربما يتجسد في أهمية كسر حاجز الخوف لدى الشعوب، وفتح الباب أمام تكوين الأحزاب والتعددية الإعلامية، والحراك السياسي الذي استقطب رجل الشارع في سبيله للبحث عن الديمقراطية. ولكن على الجانب الآخر، تشترك غالبية دول الربيع العربي في الشعور بالإحباط بسبب عدم تحقيق التغيير المطلوب في عقلية الإدارة السياسية، وسطوع نجم التيار الإسلامي، بما فيها جماعات استخدمت العنف يوما ما ضد مواطنيها، وبعضها ما زال يهدد به في مواجهة التيارات المدنية، مع استمرار حالة الفقر والبطالة، بل وارتفاع معدلاتها بشكل مخيف. وربما تبقى الحالة السورية فريدة من نوعها، مع استمرار المواجهة المسلحة، ولكن يبدو أن الوضع قد حسم مقدما لصالح المعارضة، بعد تفاقم حالة الحصار والعزلة الدولية التي يعاني منها نظام الرئيس بشار الأسد، وتوحد جماعات المعارضة وتقدمها على أكثر من جبهة، بما فيها الجبهة السياسية بعد اعتراف عدد من الدول
الغربية
بالائتلاف الوطني، من بينها
الولايات
المتحدة
. وتزامن هذا الاعتراف مع تصريحات أظهرت، قبل وداع 2012، قناعة دول كبرى بقرب نهاية النظام السوري، خاصة بعد تأكيدات نائب الأسد، الدبلوماسي المخضرم فاروق الشرع، حول عدم قدرة النظام أو معارضيه على حسم الأمور عسكريا في النزاع المستمر منذ 21 شهرا، وهو ما اعتبرته الخارجية الفرنسية بمثابة “علامة أخرى” على أن نظام
دمشق
يفقد نفوذه وتأثيره. وبطبيعة الحال يختلف المشهد بالنسبة لدول مثل مصر
وتونس
وليبيا واليمن، من حيث طبيعة المواجهة والتحديات، رغم التشابه بينها بالنسبة لبطء المرحلة الانتقالية، والانقسامات السياسية، والعنف والتردي الاقتصادي، ولو سلمنا بوجود بوادر أمل مشروطة في بعض الحالات. ففي الحالة المصرية، ومع الانقسام السياسي والمجتمعي، وحالة العنف التي ميزت العامين الماضيين، ساعد الحراك والتحالفات السياسية على البدء في عملية ديمقراطية قد تؤهل المصريين للشروع في مشوار الاستقرار والتنمية بعد إقرار الدستور الجديد وانتخاب مجلس شعب خلال النصف الأول من 2013. ويبقى في الخلفية تشكك الأحزاب والائتلافات الليبرالية، وربما الأغلبية الصامتة، تجاه محاولة جماعات الإسلام السياسي، بقيادة الإخوان المسلمين، للسيطرة على مفاصل الدولة المصرية بهدف البقاء في الحكم لفترة طويلة، بعد فوزها بجولة إقرار الدستور الذي ترفضه القوى المدنية على اعتبار أنه وضع من جانب تيار واحد، دون توافق مقبول حول مواده. كما لا يمكن استبعاد احتمالية انفكاك التحالف غير المعلن بين جماعات التيار الإسلامي بصفة عامة، في حالة محاولة الإخوان المسلمين -التي ينتمي الرئيس محمد مرسي لمدرستها الفكرية-، الاستئثار بالسلطة دون توزيع عادل للأدوار بعد إقرار الدستور، وهو ما قد يحول التحالف إلى مواجهة، في وقت لا يحتمل فيه الاقتصاد المصري مزيدا من التدهور وعدم الاستقرار. وربما تعد الحالة
التونسية
مشابهة للحالة المصرية بشكل أو بآخر – مع بعض التباينات المتعلقة بالسلم الاجتماعي-، خاصة من حيث ترسيخ التعددية الحزبية والسياسية، وبروز دور أكبر لوسائل الإعلام، بما فيها المعارضة، رغم مضايقات عديدة للإعلام الخاص بشكل حصري، ولكن أيضا من حيث الانقسام بين ما هو إسلامي، وربما معتدل ومتشدد، وما هو ليبرالي أو مدني. ويظهر التشابه بشكل أكثر وضوحا في الإخفاق الاقتصادي، حيث ارتفعت معدلات البطالة والفقر، مع زيادة نسبة الضرائب وأسعار السلع، في ظل فشل حكومي في توفير فرص عمل جديدة وإنعاش مصادر الدخل، وسط نداءات وضغوط تؤكد ضرورة الابتعاد عن عامل الولاء والاعتماد على وزراء يتمتعون بالكفاءة والخبرات العلمية للتعاطي مع المشاكل الاقتصادية الموروثة. كما لا يزال الوضع الأمني يمثل أحد أهم الأولويات المطلوبة لتحقيق الاستقرار سواء في ليبيا أو
تونس
أو مصر، حيث تواجه تلك الدول خطرا كبيرا بسبب استمرار تدفق الأسلحة إلى أراضيها عبر الحدود، مع تصاعد نفوذ التيارات السلفية الأكثر تشددا. ورغم تمكن ليبيا من إجراء انتخابات في يوليوز واستئناف إنتاجها من النفط، إلا أنها ما زالت تعاني من تفشي الميليشيات وتجارة الأسلحة وتزايد التهديدات الإرهابية، التي جسدها هجوم 11 سبتمبر على القنصلية
الأمريكية
ببنغازي، والذي أدى إلى مقتل أربعة أمريكيين بينهم السفير كريستوفر ستيفنز. ومع اعتبار التجربة السياسية
التونسية
الأفضل بالمقارنة مع تجارب دول الربيع العربي الأخرى، تبدأ
تونس
عاما جديدا دون انتخابات، ومن غير دستور يحدد السلطات داخل الدولة. أما في الحالة اليمنية، فشرع الرئيس عبد ربه منصور هادي، وقبل نهاية 2012 بنحو عشرة أيام في إعادة هيكلة القوات المسلحة على نطاق واسع، بدا أنه يتضمن إزاحة شخصيات موالية للرئيس السابق علي عبد الله صالح من مناصبهم داخل الجيش، في خطوة لاقت ترحيبا في الأوساط اليمنية، في حين أكدت مصادر في صنعاء إمكانية طرح دستور جديد للبلاد خلال الربع الثالث من 2013.
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية



