جاء تقرير المعهد الأمريكي للأبحاث “بيو”، حول موضوع المسلمين في العالم، ليُميط اللثام عن حالة التدين في المغرب، ومدى حضور الدين في حياة المغاربة، فقد كشف استطلاع الرأي الذي صدر عن المعهد حديثا، أن 89% من المغاربة يعتبرون الدين الإسلامي مهم جدا في حياتهم، في حين بلغت النسبة 85% في كل من الأردن وفلسطين مجتمعين، ولم تتعد النسبة 75% في مصر، رغم كون المجتمع المصري عُرف بالتزامه الديني.
هذه الأرقام تكتسي أهمية بالغة، من عدة جوانب، أولا هي أرقام صادرة عن مركز دراسات أجنبي له شهرة ومصداقية عالمية، وتقاريره تتسم بالموضوعية والعلمية، ثانيا إن العينة المستطلَعة والتي بلغت 1472 شخصا، وشملت 15 جهة موزعة بين مدن وقرى المغرب، اعتمدت على المقابلة المباشرة. وهكذا، تكشف لنا هذه الأرقام والإحصائيات عن الحضور القوي للدين الإسلامي في وجدان وحياة المغاربة، رغم كل الحملات الممنهجة التي شنتها قوى علمانية لطمس معالم الدين من المجتمع. لكن يجب التمييز في هذا الاستطلاع بين التعبير أو التصريح الذي عبّرت عنه العينة المستجوَبة، وأكدت فيه على أهمية الدين في حياتها، وبين التطبيق أو الالتزام بأداء الواجبات الدينية، فإذا كانت نسبة 89% قد عبرت عن كون الدين مهم جدا في حياتها، فهذا لا يعني بالضرورة الالتزام الديني، ولذلك نجد مؤشر الاستطلاع ينزل إلى 61% بالنسبة للمغاربة ما بين 18 و34 سنة الذين يواظبون على الصلاة، وترتفع النسبة إلى 79% فوق 35 سنة، في حين نجد النسبة تنخفض إلى 39% من المغاربة الذين يقرؤون القرآن الكريم يوميا. بل الملاحظ إن التقرير يرصد مسألة مهمة وهي أن هناك عبادات تحتل أهمية قصوى لدى المغاربة مقارنة بعبادات أخرى، وهكذا نجد الاستطلاع يقف على مؤشر 98% من المغاربة يصومون رمضان، و92% يُخرِجون الزكاة. هذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على أن غالبية المغاربة متدينون بالفطرة، وبنسب متفاوتة، وإن كانوا غير ممارسين، كما يدل على أن هناك شعائر وعبادات تحظى بأهمية أكبر من أخرى، وهذا مؤشر واقعي يقدم جوابا قويا على أولئك الذين يتهمون المغاربة بالنفاق، لأنهم “يقولون ما لا يفعلون” ؟!! هذه الحقائق التي كشف عنها التقرير البحثي، تقدم الدليل الدامغ على الحضور القوي للدين في حياة المغاربة، وإن كان ذلك لا يعني الالتزام الديني، لكنه في نفس الوقت لا يدل على النفاق كما يتهم بذلك بعض العلمانيون، لأن النفاق كما عرف الدين الإسلامي، هو إظْهار الإسلام وإضْمار الكفر، وهذا لا ينطبق على السواد الأعظم من المغاربة، لأنهم وإن كانوا يقعون في بعض المحظورات الشرعية، لكنهم لا يقومون بها على سبق الإصرار، وإنما ضعفا وتقصيرا وتفريطا، وهذا ما لا يفهمه بعض العلمانيين، الذين يريدون للمغاربة أن يطبعوا مع الانحراف، وأن تتحول بعض التجاوزات المخالفة للدين سلوكا اعتياديا.
المصدر: فؤاد الفاتحي نشر في لكم

