إذا كان في ذينك الأمرين السبب المباشر لتأخر المسلمين فلن يعود العالم الإسلامي لعزته وكرامته إلا عن طريق العودة إلى الدين الصحيح من طريق الاجتهاد الحر والنظر المجرد ومقاومة كل استبداد وطغيان، لأن الإيمان بالله نفسه لا يتم إلا إذا صاحبه الكفر بالطاغوت.
هؤلاء الخلوف هم الذين يبشرون بعظمة الأجنبي وضعف الإسلام كدين وكثقافة وحضارة، أولئك الذين ينادون دائمًا بالحرية، ولكنهم يقرون الاستعباد ولو لم يبلغوا من الحكم نصيبًا، ويدعون للإخاء وهم يظلون يعملون على التفرقة بين الناس بخلق التيارات والدعوة للنظريات المستجلبة التي تعمل على هدم قيم الإسلام وربانية الحكم، كما يبشرون بالمساواة وهم لا يعرفون إلا التعصب لأصحابهم والتغلب على خصومهم والدس على من لا يتفق معهم في فكر أو دين، هؤلاء الخلوف هم الذين يعملون على خدمة الأجنبي ونصرة مبادئه التي يستعملها لتكون أسباب تسلطه الدائم على بلاد المسلمين، وهم الذين يرفضون كل وحدة قائمة على الدين أو خاضعة لروح الإسلام الصحيح، أولئك الذين يتخذون فلانًا وعلانًا أندادًا من دون الله يحبونهم كحب الله، بل يكفرون بالله الواحد الأحد، ويقدسون قادة التيارات الجديدة التي يؤمنون بها تقديس أسلافهم الماديين للأصنام والأوثان. وإذا ذُكرت أمامهم أقوالهم اعتبروها القول الفصل والكلام الذي لا يقبل محاجة ولا معارضة، لأنها تمثل التقدم ولو كانت عامرة بالخرافة والمخالفة لمقتضيات العلم الحقيقي الحديث ، لأن العلم نفسه عندهم لا قيمة له إلا إذا كان خاضعًا لمبادئ قادتهم ونظريات سادتهم الذين أضلوهم السبيل. أليس من مهمة العلماء أن يقوموا بواجب التوضيح لما في هذه الأعمال الخلوفية من جاهلية جديدة وانحراف عن السبيل الإنساني الصحيح، وبالدعوة إلى العودة للنبع الصافي لكتاب الله وسنة رسوله. «وإذا كان علماؤنا سيبقون غافلين عن استمرار الاستعمار القانوني وهيمنة القوانين الوضعية المؤسسة على مبادئ الاستعمار ومصالح الرأسماليين الأجانب دون العودة إلى شريعة الإسلام التي نجد فيها ما لا نجده قطعًا في غيرها من مجموعات الشرائع الخمس، فكيف يقال عنهم أنهم علماء وأنهم أنصار السنة وخريجو دار الحديث، والله يقول: }ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون{ المائدة:44. }فأولئك هم الظالمون،{ المائدة: 45} …فأولئك هم الفاسقون{المائدة: 47. وإذا كان علماؤنا لا يصدعون بضرورة مقاومة الفقر والعمل على تحسين المعاش وتحقيق العدالة الاجتماعية لسائر أفراد الأمة وتسوية أهل البوادي بالحواضر في جميع مظاهر الحضارة المشروعة التي تتقدم مدننا فيها دون باديتنا، مع أنهم يعرفون أن في تعادلية الإسلام ما يضمن للأمة العمل وحسن المعاش، والتحرر من هيمنة الأجنبي الاقتصادية ومن تحالفات المغاربة مع الأجانب على استعباد المواطنين وإخضاع الفكر المغربي في الحكومة وخارجها إلى ما يؤيد مصالح الأجنبي وأذنابه والمعاونين معه، فكيف يمكنهم أن يعد عملهم في تاريخ النهضة الشعبية، والحصول على قيادة التطور الاجتماعي: وإذا كان علماؤنا يظلون يرون الخمور والفساد منتشرين علنًا وسرًا في كل الأمكنة والبقاع، ويرون القوانين الصادرة فيها مهملة معطلة، ثم لا يقولون إن هذا منكر يجب زواله، فكيف يمكن أن يشاركوا عمليًا في بناء المجتمع الإسلامي الذي نريده ونعمل له. وإذا كان العلماء يرون على مرأى ومسمع من الجميع دعاة التبشير بالمسيحية والبهائية والإلحاد في وسطنا وفي مدارسنا ومعاهدنا وفي منتدياتنا، علاوة على شتى المدارس الدينية الأجنبية التي لم تؤسس إلا لجمع اليتامى واللقطاء من إخواننا لينشؤوهم تنشئة غير إسلامية، وليخلقوا في وسطنا أخلاطًا وأنماطًا لا تستطيع أن تتحد إلا على التخلي عن الدين، على الأقل في الدولة أو في القوانين، بدعوى حياد الدولة ووحدة التشريع للجميع، فإنهم (أي العلماء) الذين سيُسألون غدًا أمام الله على ما فرطوا في ذات الله، وعلى عدم قيامهم بواجب الذب عن حمى الإسلام ومقاومة الكفر والطغيان. وأخيرًا: إذا لم يكن العلماء في مقدمة الذين يقاومون الظلم والظالمين والرشوة وحرمان المستضعفين من حقوقهم، أولئك الرجال والنساء الذين يقولون }ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليًا واجعل لنا من لدنك نصيرًا{ النساء: 75، إذا لم يكن العلماء في هذا الموقف فمن يحل محلهم، هل الجاهلون أم الظالمون؟» وفي ختام المحاضرة توجه إلى الجالسين أمامه قائلا: «وإنكم يا خريجي دار الحديث الحسنية تُعَلَّقُ عليكم آمال كبيرة، فلا يكن حظكم من العلم هو طلب الحرمة والجاه والوظائف العالية ، والتخلي عن أداء مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . لقد قال سفيان الثوري: لله قراء وللشيطان قراء، وصنفان إذا صلحا صلح الناس: السلطان والقراء، يعني العلماء» . فهل لَبَّى خريجو دار الحديث وصية علال ورجاءه، أم إنهم لم يحيدوا عما حذرهم منه؟ أم }كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا{؟ سورة الإسراء : 84 يتبع
المصدر: التجديد نشر في التجديد

