(إلى روح الشاعر محمود درويش) (هذا النص كتب سنة 2008 مباشرة بعد وفاة الشاعر محمود درويش، وأعيد نشره هنا بمناسبة الذكرى الرابعة لوفاته) قلت يا سيدي، وكأنك كنت ترى ما سيحصل بعد أن تودع: ” يحبونني ميتا ليقولوا : لقد كان منا وكان لنا ” وهاهم يطلعون علينا في الشاشات والجرائد السيارة، ويزعمون في وقاحة وصلافة أنك منهم ولهم، وأنهم أحبوك. وأنت ” كم كنت وحدك ”، حتى أنك فعلت كما الطيور؛ اختبأت بعيدا كي تموت وحيدا. وأين؟ في أمريكا.. و” أمريكاالطاعون، والطاعون أمريكا ”. متَّ وحيدا بعيدا عن الوطن. ذاك الوطن الذي حملته في كل دمك، وسافرت به في كل العالم، كي تقطره بلاغة في كل محطة. بلاغة تكشف زيف المشروع الإمبريالي الصهيوني، وتفضح المتخاذلين والصامتين والمتواطئين. هم الآن يعبرونك في كلام عابر.. ولا أحد فيهم سيعبر كما عبرت، ويصدح كما صدحت، ويرسلها قذيفة لا تعرف الحياد ولا المهادنة، في كلام لم يكن أبدا عابرا: ” ارحلوا من دمنا ومن حقلنا ”، فاشتعل الحجر، وانهمر سجيلا، وبزغ سناء، بدأ يتوهج في آخر السرداب.. وما كان للذين يحبونك ميتا أن يقبلوا بالنور، فاغتالوه في المهد ليظفروا بغثاء السيل مكافأة على عودة الظلام وانعدام الرؤية واختلاط الحابل بالنابل والعدو بالحبيب.. وربأت بنفسك أن تكون من أصحاب الكعكة. وربأت بنفسك أن تكون بجانب واحد من أخوين ينظران إلى بعضهما شزرا، فانسحبت. لكنك ما تركت الحبل على الغارب، ولا الجمل بما حمل.. وإنما عدت إلى قصيدة البلاغة الجديدة لتأتمنها على الوطن من الضياع، وتحذر الأجيال المقبلة من خفافيش الظلام ومصاصي الدماء والدينصورات الجديدة . الذين أحبوك ميتا ليعلنوا أنك منهم، وأنك لهم، هم الآن يعبرونك في كلامهم العابر.. فليعبروا. سيرجمهم التاريخ. أما نحن، فسنذكر كم عبرت الجميع بحب صادق في صمت شفهي لا يعادله إلا بذاخة إرثك المكتوب، الشاهد على صدقية ذاك الحب. هؤلاء الذين يعلنون الآن انتماءك إليهم، هم نفسهم من تنكر لك حين كنت في عزالنفي؛ مثقلا بجراح الوطن، مثخنا بسكاكين الاغتراب.. ولم يعرفوك في” الظلال التي تمتص لونك في جواز السفر.. ولم يلوحوا بمناديلهم على أبواب المطارات البعيدة .. ” ولم يذكروا أنك كنت وحيدا ذات رطوبة وسجن، ” تحن إلى خبز أمك وقهوة أمك ولمسة أمك ”. الآن بعد السفر الأخير عرفوا ملامحك، واعترفوا بهويتك، وأصدروا بلاغا أعلنوا فيه أنهم يحبونك، وأنك كنت منهم، ولهم.. والآن على باب المطار الأخير، الذي يصدّر ولا يستورد، أشَّروك، وختموا، بل بصموا جواز السفر الذي أسقطوه عنك ذات منعرج من زماننا العصيب.. وهم الآن يخرجون مناديلهم الفاخرة، يلوحون بها على غيابك، ويقولون : لقد كان منا ، وكان لنا .. ونسوا أنك منذ اعتماد دبلوماسية الغدر قلت لنفسك، وعلى الملأ : ” من الآن أنت غيرك ”.. كما نسوا أنك حددت انتماءك قبل أن ترحل بزمن بعيد، واخترت ” قلوب الناس جنسية لك ”.. ونسوا أيضا أنك لا يمكن أن تكون إلا وفيا لميثاقك؛ فغنيتً ” بالشعر المكتوب على أرصفة الشهادة ..”، غنيت لجفراء الوطن المسبي .. غنيت لأحمد العربي المنسي بين فراشتين .. وغنيت ل ريتا في شتائها الطويل، وسرحت وراء عصافير الجليل.. وسجلت أنك عربي، وحاصرت مدائح البحر، وأشعلت أحد عشر كوكبا لتبقى شامخا في قلوب الناس الذين أحبوك حيا وترحموا عليك ميتا.. وكانوا منك، وكنت منهم، وسفيرا لهم، وناطقا شعبيا بأوجاعهم.. الناس الذين يبكونك الآن في صمت، بعيدا عن كاميرات التلفزة، وميكوفونات الصحافة. فدع يا سيدي، رحمة الله عليك، من يشاء، يقول ما يشاء.. فقبل أن ترحل، قلتَ، وقولك قد وصل: ” ما الفائدةْ هرب الوقت منا وشد المصير عن القاعدة ها هنا قاتل وقتيل ينامان في حفرة واحدة…” وكان ذلك آخر مشهد من ” سيناريو جاهز ” لم يكتمل بعد.. وعلى حد وصيتك يا سيدي: على شاعر آخر أن يتابعه إلى آخره. فرحمة الله عليك يا فارس الشعراء وواسطة عقدهم، جعلتنا نحب الشعر، وعلمتنا كيف يمكن أن تكون المبادئ رأسمال حقيقي.. وكيف نبني في اللغة وطننا حتى لا ينهبه الناهبون، أو يهربه المهربون، أو يمسخه الدجالون .. فاذهب يا سيدي، عليك سلام الله ورحمته. اذهب ” كزهر اللوز أو أبعد”.

المصدر: عبد اللطيف الهدار نشر في أزيلال أون لاين

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version