بمراجعة نتاج الخطاب الإسلامي المعاصر نلاحظ أنه خلال عقد الثمانينات من القرن العشرين بدأت العديد من مقارباته الفكرية في طرح موضوع «النقد الذاتي» ، حيث تم التركيز على البحث عن مكامن الخلل في الفكر الإسلامي المعاصر . وبما أن هذا التفكير تشكل ضمن حركات وجماعات تهدف إلى تغيير المجتمع ، فإن اتجاه البحث انصب حول معوقات إنجاز هذا الهدف التغييري . ولقد
مثلت ظاهرة الصحوة الإسلامية في نهاية الثمانينات مفارقة غريبة ، حيث أنها تدل بحجمها على أن الخطاب الإسلامي في شكله الحركي والتنظيمي يملك كما بشريا هائلا ، لكن مع ذلك لا يملك قدرة على النفاذ إلى مواقع وبنيات المجتمع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية… فما سبب ذلك؟ إن السبب هو أن هذا الخطاب تكون وتشكل بقصد التوجه إلى الفرد لا إلى المجتمع. وحتى إذا نظر إلى الظاهرة المجتمعية فإنه ينظر إليها من منظار حاجات واهتمامات الفرد لا النظر إليها كمؤسسات وبنيات وعلاقات . لذا تبين خلال هذه المراجعة أن الخطاب الإسلامي لا يملك تصورا للمجتمع المعاصر ؛ ودليل ذلك أن الفقه الذي بلوره أو استعاده من التراث متضخم في جانب الفقه الفردي ، وضامر جدا في مجال الفقه الجماعي . لذا يصح لنا أن نصف الحركات الإسلامية المعاصرة بكونها أقدر اتجاهات التغيير على تبديل الأفراد وأعجزها عن تغيير الجماعات ؛ لأنها تستطيع بمقوماتها التربوية امتلاك الفرد واستيعابه وجدانيا، وتبديل نمط سلوكه وقيمه، ولكنها تفتقر إلى برامج ومشاريع التغيير الجمعية، التي تنفذ إلى نسيج المجتمع وعلاقاته ومؤسساته التربوية والإعلامية والاقتصادية والسياسية، وتغييرها وفق برامج مجتمعية مفصلة. قد يعترض البعض على قولنا السابق قائلين كيف تكون هذه الحركات أقدر على تغيير الفرد وأعجز عن تغيير المجتمع ؟ أليس المجتمع حصيلة أفراده ؟ إن الظن بأن امتلاك برامج تغيير الفرد كاف لتغيير المجتمع ظن قاصر يذهل عن حقيقة اجتماعية وهي أن المجتمع نتاج تركيب وعلاقات لا نتاج جمع واصطفاف للأفراد. لذا فالمشروع الثقافي الإسلامي لابد أن ينتقل من مستوى الفقه الفردي إلى مستوى الفقه الجمعي . ونقصد بهذه النقلة الارتقاء إلى مستوى انجاز دراسة مفصلة عن طبيعة الواقع المجتمعي المعاصر لفهم بنياته وتحديد خصائص علاقاته ، لنتمكن من بلورة مشروع ثقافي ومجتمعي إسلامي قادر على استيعاب العصر والتفاعل معه وتوجيهه. ومثل هذا المهمة لا تستلزم فقط تغييرا في الرؤية بل تغييرا في منهج الرؤية أيضا ، أي تغيير في منطلق التفكير من الفرد إلى المجتمع . بمعنى أننا نحتاج إلى الانتقال من التركيز على رؤية الفرد إلى التركيز على رؤية الشأن الجمعي ونظامه وعلاقاته. لأن منهج التفكير في الظواهر والعلاقات الاجتماعية يختلف عن منهج التفكير في الفرد وظواهره النفسية . ولو كان الأمر متماثلا لما احتاجت حقول المعرفة إلى إنشاء علم للنفس وعلم للاجتماع .
المصدر: التجديد نشر في التجديد



