تعد الإِعَارَةُ أو العَارِيَة كما هو معروف عند أهل الفقه، صورة من صور التَّكافل والتَّعاون الاجتماعي لدى المجتمع المسلم، وسبيل من سبل البرِّ والإحسان، وذلك متى أحيطت بضوابط وأحكام مبيَّنة ومعينة، ولعل المجتمع المغربي كحال باقي المجتمعات المسلمة معروف فيه ظاهرة الإعارة منذ القدم، بوصفها أحد أوجه التعاون والتكافل الاجتماعي، غير أن ممارسات مختلفة أدت وتؤدي بهذا الشكل من التعاون إلى انزلاقات تضرب في الصميم، الهدف الذي من أجله تقام الإعارة كما يؤدي تكرار هذه السلوكيات إلى تراجع التعامل بنظام الإعارة. فلماذا لا يلتزم الناس بإرجاع ما استعاروه في الوقت المحدد؟ ثم ولما لا يتم الحفاظ على الشيء المعار دون ضرر أو إتلاف؟ ثم ما هو تفسير علم الاجتماع لهذا النوع من الاستغلال غير المنضبط للأشياء المعارة؟ وكيف يستسيغ العديد من الأشخاص الاحتفاظ بأشياء ليست في ملكيتهم لأيام وأسابيع، بل لشهور وسنوات وقد يدوم الأمر مدى الحياة؟ وما هي السبل الكفيلة بمعالجة هذه الظاهرة؟
قال المقرئ الإدريسي أبو زيد، في إحدى محاضراته عن أخلاق القوة عند المسلم «إن المكتبات لم تعد مهددة بأن يسطو عليها اللصوص أو يصادرها الأمن، بل هي مهددة بمن يأخذون الكتب دون أن يرجعوها». واعتبر إبراهيم الحمداوي، أستاذ علم الاجتماع، بجامعة عبد المالك السعدي بتطوان، في حديث ل «التجديد» أن نظام الإعارة انحرف بسبب ما عرفته قيم المجتمع المغربي من تحولات أثرت سلبا على هذا الشكل من التكافل، كما اعتبر أن الأمر يعود أيضا لتراجع مؤسسات التنشئة الاجتماعية من أسرة ومدرسة وإعلام عن القيام بأدوارهم الأساسية، وقال صاحب أطروحة «التغيير الاجتماعي وظاهرة الجريمة بالمغرب دراسة في أسباب الانحراف» أن ما تعرفه الأشياء المعارة من إتلاف وعدم الحفاظ عليها، كما هو الشأن بالنسبة لممتلكات الأفراد يعود إلى الأنانية المرضية التي وصل إليها المجتمع والتي يجعل معها الشخص المصلحة الفردية فوق كل المصالح. الحمداوي، قال إن اختلال القيم الاجتماعية وعدم وجود تمثلاث أخلاقية تجعل الفرد يستشعر قيمة الأمانة ويعطيها حقها، أحد مفسرات هذه الظاهرة، وسجل الباحث في علم الاجتماع كيف أن الإعارة لم تعد لوجه الله وأصبحت تعطى على أساس «عطيني نعطيك»، وهذا حسب الباحث الحمداوي قلل من شأنها ومن الحفاظ عليها. وأضاف الحمداوي أن ظاهرة الإعارة عرفت في المجتمع التقليدي بالخصوص كأحد أوجه التعاون في الفلاحة وفي المناسبات. من جهته قال الداعية عبد الجليل الجاسني، في تصريح ل «التجديد»، إن من بين الحلول في موضوع العارية أن نلجأ إلى الضمان عند التفريط في الأشياء المعارة، وذلك بتغريم المضيع لها أو متلفها إذا ثبت تقصيره وتهاونه، أما إذا لم يفرط فلا ضمان عليه، وتأسف الجاسني لكون المجتمع المغربي ينظر إلى التغريم بنوع من التحريم ويراه غير صائب م يفرط فلا. وأضاف أستاذ التربية الإسلامية بالتعليم الثانوي بالبيضاء ، في شرحه لأسباب انحراف صورة الإعارة في المجتمع المغربي، إلى جهل العديد من الناس بأحكام العارية من كونها لا تستثمر إلا في ما أخذت من أجله، وأنه لا تعار لشخص آخر إلا بإذن صاحبها. وأضاف عضو المكتب التنفيذي لحركة التوحيد والإصلاح، بأن المطلوب اليوم هو «إعادة تربية الناس على فهم الأحكام الشرعية للعارية، وهذا وحده لا يكفي وتنضاف إليه التوعية الإعلامية وفي خطب الجمعة والمدارس وغيرها من منابر التواصل لتجاوز الأخلاقيات السلبية التي دفعت بعض الناس لإغلاق باب العارية بشكل مطلق». المسؤول عن الحركة بجهة البيضاء الكتبية، قال «إن الإعارة في أصلها شرعت لرفع الحرج عن الناس وتيسير الأمور عليه، لأن المرء يعجز أحيانا عن قضاء حوائجه دون مساعدة ومنها الملابس والسيارة والأثاث والكتاب، ومقصد الشرع هنا، هو التخفيف على الناس، لكن ما بقي من العارية هو صورتها فقط، فهي كسلوك ما تزال لدى المغاربة لكنه تعرض للكثير من الخلل والعيب، وهو راجع والله أعلم إلى كون مجتمعاتنا الإسلامية اليوم حافظت فقط على صورة الإعارة وغابت عنهم الأحكام المنظمة لها».
المصدر: محمد لغروس نشر في التجديد

