عندما وصل النازيون إلى سدة الحكم، بواسطة الديموقراطية، التي يعتبرونها أداة تخلف، وردة، وانحطاط، لكونها تحمل العبيد إلى السلطة، كي يحكموا الأسياد؛ وهي عبارة رددها “نيتشه” في كل كتاباته : “أخلاق السادة، وأخلاق العبيد”.. عندما وصل هؤلاء إلى الحكم، أوفوا بما وعدوا، حيث شغّلوا [06] ملايين من العاطلين، وسنّوا مجانية الصحة، والتعليم، والطرق السيارة؛ ومكنوا كل موظف، وعامل من سيارة “الخُنْفساء”، التي صممها المهندس “بورش”، بأقل تكلفة وسُمّيت “فولغ زواغن” أي (سيارة الشعب)، حتى يصل كل مواطن إلى عمله، من دون تأخّر؛ وحتى يرفّه على أسرته في أيام إجازته؛ وقد وضع رجل المال الشهير “كروب”، مؤسسته المالية، تحت تصرّف النازيين، لإنجاح برامجهم الصناعية والاجتماعية، وهذا دليل ساطع، على إيمانه “بالأصولية النازية”.. فهل رأيتَ في بلادنا من يفعل هذا عند وصول الأصولية الإسلاموية إلى الحكم؟ هل رأيتَ ثريّا يدعي التديّن، والإيمان، يساعد على تشغيل العاطلين؟ أبدا لم ولن يحدث؛ ولكنهم، فقط، يشجعون على الفتنة بأموالهم، ويرسلون السذج، من دار الفناء، إلى دار البقاء، عن طريق إضفاء الشرعية الدينية على الانتحار، والإرهاب، مقابل نيل الفردوس، جزاءً على الغدر.. هل رأيتَ المتديّنين الأثرياء، وما أكثرهم في بلادنا، وضعوا أموالهم تحت تصرف المتديّنين الحاكمين الآن؟ وهل رأيت حكومة الملتحين، تطالب المؤمنين الأغنياء، بالمشاركة في إنجاح تجربة الحكومة الملتحية في بلادنا؟ أهذا هو الإسلام؟ ! في إيطاليا الفاشية، كان “موسوليني” يشارك شخصيا في موسم الحصاد، وفي تجفيف المستنقعات، لجعلها صالحة للزراعة، تماما كما شوهد رئيس حكومتنا، وهو يشارك فقط، في صلاة الاستسقاء، مع دعوة المغاربة للصبر، في انتظار القبر، بالإضافة إلى التهديد، وضرب المعطّلين، وقمع المضربين، من دون إيجاد البديل، كما فعل الفاشيون، يوم منعوا كل أنشطة الحريات العامة.. فيوم جاء الفاشيون إلى الحكم في إيطاليا، فازت البلاد بكأس العالم سنتي 1934 و1938؛ كما تمكّن في
ألمانيا
الملاكم “شميلين” من الفوز على “لويس” الأمريكي الأسود، ليصبح أول رياضي أبيض، يفوز بالبطولة العالمية آنذاك؛ ثم النهاية المأساوية، والممارسات البغيضة لهذين النظامين الأصوليين معروفة، ولا داعي لتكرارها ههنا.. لكن في ظل الحكومة الدينية ببلادنا، لم نَعِشْ ولو لحظة جميلة عابرة، كما كان الشأن بالنسبة إلى الألمان والطليان، يوم نزلت بهم الظلامية، نزول القضاء والقدر.. فإن تَعُدّوا مساوئ حكومتنا الملتحية لا تحصوها، في كذا قطاع وميدان، وليس هناك، ولو نقطة إيجابية تستحق الذكر، رغم أنها تدعي الدعوة إلى الله، مع إفشاء العدل بين الناس، وترسيخ أجواء الكرامة، ومحاربة الفساد، كما قالوا يوم كانوا يراودون المغاربة عن أنفسهم. فالقضاة ظُلموا، ويطالبون برفع الظلم.. والأطباء مرضوا، نتيجة وضعهم المريض، ويطالبون بعلاج المرضى.. والمدرّسون تدنى مستواهم المادي والاجتماعي، ويطالبون بالرفع من مستوى التحصيل في المدارس.. والعمال، وهن عظمهم من كثرة الوقفات الاحتجاجية، ويطالبون بالرفع من وتيرة الإنتاج.. والمعطّلون، حملة الشهادات، تُكسَّر عظامهم وأطرافهم، ويقال إن الأمة بحاجة إلى سواعد الشباب، من أجل البناء والتنمية… ثم الصلاة عماد الدين، والمساجد مهدَّمة، وأخرى أُغلقت، ووزير يذهب إلى الخارج للتسول من أجل إصلاحها.. ثم صحف تكتب، وهي تمارس الرقابة الذاتية، خوفا من الأحكام الجائرة، والتهم الداعرة، والتهديدات البائرة.. ثم ماذا؟ انحسرت الرياضة في زمنهم، وصار فريقنا الوطني ينهزم في عقر داره، ويتعادل مع “غامبيا” نتيجة مناخ غير صحّي، ساد في بلادنا، فاستنشقنا هواءه، فدب في عروقنا، حتى وهن عظمنا، ورشي عودنا، وقوّس ظهرنا، فورثنا الهم والغم، مع الدعوة إلى الصبر، حتى ضاق من صبرنا الصبرُ.. فهؤلاء أخذوا من الفاشية جوانبها البغيضة فقط؛ فالمغاربة ليسوا بحاحة لمن يكسّر عظامهم، ثم يدعو لهم بالشفاء، مع قراءة “المعوذتين”.. أبدا والله !
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

