لستُ، هنا، بصدد الحديث عن كتاب الناقد المصري، الراحل، الدكتور غالي شكري الذي صدرتْ طبعته الأولى في يناير 1973. ما أذهبُ إليه، هو هذه العلاقة المُتَوَتِّرَة بين هذين المفهومين، في ثقافتنا العربية، على الأقل، وفي مجتمعاتنا التي لا تزال تعيش على هذه العلاقة، في كل شيء؛ في مظاهر الحياة اليومية للإنسان العربي، في شكل المدينة وفي معمارها، وطبيعة العلاقات القائمة فيها، بين الإنسان، وما تفرضه المدينة من سلوكات، هي نقيض سلوكات الريف أو البادية، أو السلوك الحضاري المُتَمدِّن، وأيضاً في شكل اللباس، والقوانين المُنَظِّمَة للسير، ولحركات مرور العربات والسيارات، وغيرها مما هو أحد تعبيرات السلوك الحضاري الذي انخرطت فيه المدينة ، أو أتتْ به بالأحرى، بما في ذلك الثقافة والمعرفة، باعتبار المدينة ستصبح حاضنة المعرفة، بما فيها من جامعاتٍ ومؤسساتِ للمعرفة والعلم.
في ثقافتنا العربية، ظلَّت العلاقة بين هذين الزوجين تتأرجح بين الرفض والقبول تارةً، وبين الانتقاء والاصطفاء تارةً أخرى، وبين الانحياز لمفهوم على حسابِ الآخر، دون النظر إلى الزوجين، معاً، باعتبارهما طرَفَا معادلةٍ، لا يمكن استعمال أحد حَدَّيْها، دون استدعاء الآخر، باعتباره حَدّاً لازماً، أو عُمْدَةً، بتعبير النُّحاة، لا فُضْلَةً، أو قيمة زائدةً. إذا كان التراث، هو هذا الماضي الذي ما يزال حاضراً بيننا، أو باعتباره تَرِكَةً، ورثناها عن أسلافٍ مَضَوْا، وهي تركة تحمل ماضيها في طبيعتها، باعتبارها تاريخاً، أو زمناً مضى وانتهى، سواء تعلق الأمر بالفكر، أو بالفنون المختلفة، باللباس، أو بِنُظُم الحُكم، وتسيير الإدارة وحياة الناس، أو تدبير شؤون المجتمع، وغيرها، مما وصل إلينا، إما في شكل نصوص، أو مروياتٍ، أو لُقًى، في ما تَمَّ العثور عليه في الحفريات، أو في ما جاءنا من عصر التدوين، الذي كان عصر انتقاء وحَسْمٍ، في اختيار ماضٍ دون غيره، وفقاً لرؤية، ليست هي رؤيتنا اليوم. قد تكون الثورة، هي نوع من التفكير المُتحرك، الذي هو ذهابٌ إلى المستقبل، أو رغبة في التغيير، وفي المُراجعة والمُساءلة. ما يعني أن الثورةَ، هي صيرورةٌ، ونهرٌ يسيل بلا انقطاع. الدّاَعي للكتابة في هذا الموضوع، بهذا المعنى الذي أشرتُ إليه، هو ما يجري من ثورات في العالم العربي، وعودة هذا المفهوم للواجهة، ليس بالمعنى الذي استعمله الفكر الماركسي، أو الفكر الماركسي اللينيني، أو ما ذهب إليه أنطونيو غرامشي، بل بالصورة التي حدثتْ بها هذه الثورات، باستعمالها لوسائل التواصُل الاجتماعي، وللتقنيات الحديثة، في مواجهة وسائل الإعلام التقليدية التي كانت حكراً على الدولة، أو على الأنظمة الحاكمة. ليس ما جرى تمرداً، بما توحي به الكلمة من انصياعٍ وانضباطٍ، في ثناياها، أو تبعية وخضوع. لم تكن الشعوب تابعةً، أو مُنْصاعَةً، أو خاضعةً، فهي، عكس ذلك، كانت مقهورةً، مقموعةً، رافضةً للقهر والقمع، لكنها لم تكن في يدها وسائل الثورة ضدّ النظام، أو لم تكن منظمة، بما يكفي لتصير صوتاً واحداً، وقوةً شعبيةً جماهيريةً، ملتحمةً، صامدةً، مثلما حدث، فقط، من خلال وجود أدوات للحوار والتشاور والتواصل. ما جرى، هو ثورة على نُظُم حُكْم مستبدة، شمولية، وهو ثورة، بما تحمله من رغبة في الحرية والتغيير، وفي تقاسُم الثروة، وتحقيق مجتمعات الشُّغل والكرامة والرَّفاه، أو هكذا كانت تسير الأمور، في الشعارات التي رفعها الشبان الذين احتلوا الساحات العامة. فتغيير النظام، لا يعني تغيير طريقة الحُكْم، فقط، التي لم تكن ديمقراطيةً، ولا تعدديةً، بالمعنى الحديث للكلمة، وأيضاً فرض القوانين المنظمة للعلاقة بين الحاكمين والمحكومين، من خلال تكريس ما يُعرف بدولة الحق والقانون، التي يكون فيه الحاكم مُنتخَباً، قابلاً للمساءلة والمحاسبة، وليس صنماً، أو سلطةً مقدَّسَةً، لا يجوز نقدها، أو رفضُها، أو الطعن في مشروعيتها، التي عادةً ما تكتسبها، ببعض أدوات التراث، أو الماضي الديني، الذي هو، في هذه الصورة، نقيض للثورة، وخصمٌ لها، أو هو يعمل على مواجهتها، باعتبارها مسّاً بهذا المقدس، ورغبةً في تغييره، أو وضعه في سياق التشريعات والقوانين الحديثة، التي تجعل من الجميع متساوين في الحقوق و الواجبات. ما حدَث، كان في مقدمته، ثورةً، لم يكن فيه للماضي دَخْلٌ، ولم يكن الدِّين حاضراً فيها. الدِّين، بالمعنى الأصولي السلفي الماضويّ، جاء تالياً، ركب القطار وهو يسيرُ، ما مكَّنَه، بحكم جاهزيته، واستعماله للخطاب الدِّيني، بالمعنى الشعبويّ المبتذل، وما له من قدرة على التعبئة والتنظيم، في مقابل اليسار، الذي كان، بالأسف، انخرط في لعبة الحُكم، أو انْكَفَأ على نفسه، من سرقة الثورة، أو تحويل اتجاه القطار، من الثورة، التي تعني المستقبل، والرغبة في التحرُّر والانعتاق، إلى التراث، الذي لا يعني، هنا، سوى ماضي هذا السلفي، وفق تأويلٍ ضَيِّق، للكتاب والسُّنّة، أو وفق قراءة، ليست هي ما جاء لا في الكتاب ولا في السنة، ولا حتى في أقوال ” السلف الصالح ” بتعبير محمد عبده. الثورات التي قامت، لم تكن صراعاً من أجل السلطة، بل إنها كانت ثوراتٍ من أجل الحرية والمساواة، وتكافؤ الفُرَص، ونقل مفهوم الدولة من سلطة الحاكم المستبد، أو النظام التوتاليتاري المُطلق، إلى دولة الانتخاب، والتشريعات الحديثة، وفق ما تقره الخصوصيات المحلية للبلد الواحد، ووفق ما هو سائد في الأعراف والقوانين الدولية، التي هي، في جوهرها، مُتَحَدِّرة، من الفكر الإنسانيّ الذي كان في قديمه البعيد، اختار الحوار، والتشاوُر، ولم يكن مُتَسَلٍّطاً، أو رافضاً للرأي المُخْتَلِف، ولا للتعددية المذهبية، والثقافية، أو حرية الاعتقاد والاختيار. الذي يجري، الآن، هو صراع من أجل السلطة. في مصر، الإخوان، أبانوا، كما أبان السلفيون معهم، عن هذه الرغبة، في الاستئثار بالحُكْم، وفي رفض التشارك، بدعوى ” الأغلبية “، وهو نفسه ما كانت يستعمله النظام السابق، الذي كان يقصي الإخوان ويُقصي اليسار، هو الآخر، بدعوى الأغلبية العددية. التراث، في مواجهة الثورة؛ أصبحت هذه هي القاعدة القائمة، في ما يجري بعد الثورة. ليس التراث، هنا، بالمعنى الذي نذهب إليه، في قابليته للتحيين، ونعني به التراث المتجدِّد، الذي كان مستقبلاً، في إبَّانه، بل التراث، باعتباره قراءةً لا تخرج من الماضي، أو هي قراءة لا تقلب الصفحة، لأنها تكتفي بالظاهر النص، وتفهمه وفق رغبتها، ورؤيتها، التي هي سابقة على القراءة ذاتها. حَرْفُ الثورة عن مسارها، أو إخراج القطار عن سكته، هو ما قامت به هذه السلفيات الماضوية، التي اختزلت كل شيء في الشريعة، وكأن الشريعةَ، قرآن آخر، لا يمسُّها الباطِلُ، ولا تقبل المراجعة ولا إعادة النظر. في هذه الحالة، وحدها، تصير الثورة نقيض التراث، ويصير التراث كابحاً للثورة، ومانعاً للتقدم. الصيرورة تَبْطُل، والنهر يفقد مجراه، وتصبح السباحةُ في مائه ممكنة أكثر من مرة. كان ممكناً، في حالة السير العادي للقطار، الذي تمَّ حرفُه عن مساره، أن يكون تغيير النظام، مقدمة لتغيير الأفكار، وللتغيير في المنهج والرؤية، ولإعادة صياغة أسئلة تنسجم مع طبيعة التحولات التي عرفها الفكر والحضارة الإنسانيين. نحن لسنا ثقافة خارج السياق الإنساني، ولسنا فكراً خارج المعنى الإنساني، كما أننا لسنا مجتمعاتٍ لا تتحرك، أو تتراجع إلى الوراء. إنَّ من يُغْلِق على نفسه في غرفة مُعْتِمَةٍ، مُظْلِمَة، لا نوافذ فيها، ولا أبواب، أو في غرفة بباب واحد، لا يُفْضِي إلا لصحراء ” لا أوَّل، ولا آخر لها “، لا يمكنه أن يكون متقدماً ولا متطوراً، وسيكون التراث، عنده، هو دَمُ مُتَخَتِّرٌ، باردٌ، لا يمُدُّ الشرايين بالحياة، ولا يَضخّ في الجسم الحركة، بقدر ما يشلُّه، ويمنع عنه الحياة، أو يحرمه من حركيتها. فالثورة، ليست مجرد قلبٍ لنظام مقابل نظام، أو سلطة مقابل سلطة، فهي تغيير في نظام الأفكار، وفي المنهج والطريقة، وتغيير في نفس الإنسان وفي فكره وخياله، ما ينعكس، بداهةً، على المجتمع، وعلى مختلف القيم التي تحكم هذا المجتمع، أو تكون أساس نظامه.
المصدر: صلاح بوسريف نشر في الأحداث المغربية

