قليل من المغاربة يعرف أنه كانت توجد على خارطة إفريقيا دولة اسمها فولثا العليا، دولة إفريقية صغيرة، في يوم من الأيام استيقظت على انقلاب عسكري قاده ضابط صغير في الجيش اسمه طوماس سانكرا، شاب متشبع بالماركسية اللينينية، وحلم بأشياء كثيرة ومادام الواقع صعب مستصعب غير اسم الدولة إلى بوركينا فاسو، وهي تعني باللغة المحلية وطن المستقيمين. طوماس سانكرا كان شعبيا وليس شعبويا مثل بنكيران ورهطه، كان رجلا مؤمنا بمبادئه، استبدل سيارة المرسيديس الرئاسية برونو خمسة في التنقلات الدقيقة جدا، أما تنقلاته بين منزله المتواضع وقصر الرئاسة وقيادة الجيش فكان على متن دراجة نارية، وليس في وسع وزراء العدالة والتنمية بتواضعهم الزائف أن يركبوا دراجات نارية، وكان يمشي في الأسواق ويخالط الناس ويأكل من مأكلهم ويشرب من مشربهم، ويعيش مثل أي رجل بسيط من بلده. تلقى طوماس سانكرا الرجل الطيب رصاصة في رأسه وبقيت بوركينا فاسو على حالها، ولم يتغير منها إلا الاسم، بقيت بلدا جائعا ولم تعرف فيه التنمية طريقها ولا تحققت فيه العدالة الاجتماعية كما حلم بها الشاب الماركسي اللينيني، الذي ضيع وقته في رسم صورة عن نفسه أو أيقونة تاريخية حتى أطلق عليه رفاقه في العالم تشي غيفارا إفريقيا، وبدل التسكع بدراجته النارية كان عليه أن يركب سيارته بسرعة ليصل إلى مكتبه للتفكير في مصير بلد هو حاكمه الأول. في القارة الأخرى التي نعمت بالديمقراطية منذ قرون، كان هناك رجل شعبي بامتياز في
السويد
، ونشدد على شعبي، ويتعلق الأمر بأولوف بالم، رئيس حزب العمل الاجتماعي الديمقراطي، ذي المرجعية الاشتراكية الديمقراطية، وكان في فترة من الفترات رئيسا للوزراء انتخب لولايتين بدأت الثانية سنة 1984 وانتهت عند مقتله سنة 1996، ولا أعتقد أن واحدا من وزراء العدالة والتنمية أو هم مجتمعين سيصل إلى شعبية بالم الذي كان يتحرك في
السويد
كأي مواطن عادي جدا بلا حراسة وكان يمشي راجلا بدل أن يركب سيارة الكونغو، التي يعلم الله وحده ما تخفيه وراءها، وما يجهله وزراء العدالة والتنمية هو أنه اغتيل عندما كان يغادر السينما رفقة زوجته، يعني قمة النزول عند الشعب وهو ما لا يفعله وزراء العدالة والتنمية وقادتها عموما إلا مع اقتراب موعد الانتخابات. طبعا لن يتعرض وزراء العدالة والتنمية للاغتيال في المغرب لأن المغاربة ينتظرون منهم القيام بشيء يكتب في سجلات حسناتهم، وليس للمغاربة في القتل، وإن قادة من العدالة والتنمية شهود على الاغتيال أو مشاركين فيه مثل قتل عمر بنجلون وبنعيسى أيت الجيد. ما سقناه هو فقط لتذكير وزراء العدالة والتنمية وليس قصد تخويفهم، تذكيرهم بأنهم لن يكون أكثر شعبية من طوماس سانكرا ولا أولوف بالم، لكن مصير بوركينا فاسو هو أنها تحولت إلى بلد يستقر فيه من يخرج عن الاستقامة ولم يستطع بالم تحقيق أحلامه الاشتراكية وسط عالم متغير. الشعبية لم تفد في صناعة بلد فهل تستطيع الشعبوية الجواب عن أسئلة مجتمع يواجه تحديات كبيرة؟
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

