وجدوا أنفسهم في خريف العمر آباء لأطفال. لم تدم فرحة الأبوة المتأخرة لوقت طويل، وتحولت إلى شعور بالذنب والخوف من ألا يمهلهم القدر فرصة تربية أبنائهم وإيصالهم إلى بر الأمان، ما جعلهم يحاولون في يأس التلاعب بعقارب الزمن القفز على حواجز الشيخوخة التي تحرمهم من القيام بدورهم في مواكبة أبنائهم.
يستقظ عبد الله صباح كل يوم بمجرد أن يدق جرس المنبه بهاتفه المحمول معلنا عن موعد مغادرة ابنه ذي الست السنوات في اتجاه المدرسة الابتدائية التي يدرس بها، ليستعد بدوره للخروج في إصرار تام على مرافقة ابنه بالرغم من حالته الصحية المتدهورة نتيجة تقدمه في السن. لا تكاد تمضي سوى ثوان معدودة حتى يبدأ الإبن في التذمر من بطء مشية والده وخطواته المتهالكة. سيناريو يتكرر بشكل يومي حسب الأب ذي السبعين عاما، فيذكره بفارق السن الكبير الذي يفصل بينه بينه وبين آخر العنقود. عاجز عن مواكبة ابنه عبد الله الذي قرر الارتباط بامرأة أخرى بعد أن تدهورت حالة زوجته الصحية، وأصبحت عاجزة عن الاهتمام به وإرضاء متطلباته، كما لم يتردد في الإقدام على خطوة الإنجاب، لأنه كان واثقا من كونه لن يصطدم بأية مشاكل أو صعوبات في تربية المولود الجديد، خاصة أنه يمتلك مشروعا تجاريا يدر عليه الأرباح الطائلة التي تمكنه من تحمل مصاريف ونفقات الأسرتين اللتين يعتبر معيلهما الوحيد. سرعان ما ظهرت المشاكل التي ظلت مختبئة لبضع سنوات خلف ستار فرحة الأبوة بمجرد أن تفتق وعي ابنه، وبدأ الأب نتيجة ذلك يواجه سيلا من التساؤلات تارة بخصوص خصلات الشعر الأبيض التي تغطي رأسه، وتارة أخرى حول أسباب تناوله الدواء باستمرار، وعدم استجابته لدعواته له باللعب أو الذهاب إلى حديقة الألعاب. «كلشي في المدرسة كيسولوني واش هاذاك الراجل جدك» كلمات تصدر بتلقائية عن الإبن لكن تأثيرها يكون شبيها برصاصات تخترق صدر عبد الله الذي صار يشعر بأن بساط الأبوة بدأ يُسحب من تحت ساقيه بشكل تدريجي بسبب عدم قدرته على مواكبة ابنه والاستجابة لمتطلباته. تذمر الإبن الدائم من عدم تجاوبه دفع بالأب في نهاية المطاف إلى بذل الكثير من الجهد كي يتقاسم مع طفله أنشطته المفضلة، وجعله لا يتردد حتى في المجازفة بصحته في سبيل تلبية رغباته في محاولة يائسة للقفز على حواجز الشيخوخة التي تحول دون إشباعه لرغبات وشروط أبوة متأخرة. يفرط في تدليل ابنته لم يكن الزواج من امرأة أخرى في عمر بناته بالقرار الهين على الحاج محمد، لكن الرجل الذي تجاوز عتبة الستين من العمر سيجد نفسه تحت وطأة الوحدة والحرمان من دفء الأسرة مضطرا للإقدام على تلك الخطوة، بعد أن يخطف الموت زوجته ورفيقة دربه التي تقاسم معها أجمل سنوات من عمره ويتزوج أبناؤه الثلاثة واستقلوا بحياتهم بعيدا عن المنزل الذي نشؤوا وترعرعوا في أرجائه. كان الحاج محمد يدرك جيدا أن القدر قد لا يمهمله الكثير من الوقت لرعاية الإبن الذي سيكون ثمرة زواجه الثاني، ما دفعه إلى التشبث بفكرة رفض الإنجاب في بادئ الأمر، لكنه لن يستطيع الصمود لوقت طويل أمام رغبة زوجته التي تصغره بسنوات طويلة في تحقيق حلم الأمومة. مرت الشهور تباعا ورزق محمد بطفلة أدخلت الفرحة والسرور إلى قلبه ومعهما مشاعر الخوف والقلق التي كانت تتعاظم مع مرور السنوات من أن يرحل إلى دار البقاء، قبل أن يطمئن على مستقبل ابنته. بتأثر شديد يتذكر محمد اليوم الذي ذهب فيه لحضور زفاف أحد الأقارب رفقة زوجته وابنته التي أصبحت في الخامسة من عمرها، وكيف أبدت الأخيرة انبهارها وإعجابها بتلك الأجواء الاحتفالية. «حتى انت آبنتي منين تكبري غادي ندير ليك عرس بحال هذا»، بنبرة ملؤها السعادة والتفاؤل استفاض في الحديث عن الخطط المستقبلية التي يرسمها لطفلته، لكن سرعان ما ستختفي الابتسامة من على محياه بمجرد أن تجيبه ابنته بعفوية مغلفة ببراءة الطفولة «ولكن انت ديك الساعة غادي تكون متّي»، عبارة كانت بمثابة الصفعة القوية التي أيقظت الأب من أحلامه الوردية، وعمقت مشاعر الخوف لديه من أن يحرمه القدر من مواكبة ابنته في أهم مراحل حياتها. أصبح الشعور بالذنب ملازما للحاج محمد لا لسبب سوى أنه أقدم على خطوة الإنجاب في سن متقدمة، شعور يترجمه بالإفراط في تدليل ابنته من خلال اقتنائه لأي شيء تطلبه مهما بلغت قيمته، وهو الأسلوب الذي جعل بوادر العصيان تظهر بسرعة على الإبنة المدللة، التي أصبحت في كثير من الأحيان تثور في وجه والديها وتقلل من احترامها لهما في حال لم يستجب أحد منهما لطلباتها اللامنتهية.
المصدر: شادية وغزو نشر في الأحداث المغربية

