أحيانا يشعر المتابع للمواقف والمحلل للمسارات بنوع من الخلط لا يجد أمامه تفسيرا مقنعا، فعادة المحليين أن يتتبعوا المنطق الذي يحكم المواقف حتى يتمكنوا من تقديم التفسير ألأمثل لها وتنوير الرأي العام. طبعا، لم أفاجأ كثيرا بموقف الاتحاد الاشتراكي الذي قرر الخروج إلى المعارضة، وإن كنت أقدر أن الحيثيات التي بنى عليها الحزب موقفه غير مقنعة وكان الأجدر لو كانت مقنعة أن تكون أشد أقناعا في مراحل سابقة.
طبعا، لا يهم في الساسة أن تقتنع، ولا يهم كثيرا أن تبحث عن الخلفيات إذا كنت متأكدا بأن الأمور ستأخذ طريقها إلى انكشاف قريبا، لاسيما وأن المهمة الجديدة القديمة التي سيضطلع بها الحزب تستلزم تقييما صارما للتجربة واتخاذ قرارات شجاعة وربما مؤلمة تمس بنية القيادة. فمثل هذا المسار إذا أخذ طريقه، يمكن أن يساهم في فهم ما يجري في بيت الاتحاد الاشتراكي. وفي جميع الأحوال، فأمام الاتحاد الاشتراكي تحديات كثيرة، بعضها ينصرف إلى بناء الذات الحزبية، وبعضها يهم بناء المعارضة والرؤية التي سيحملها في تحديدي علاقته بمكوناتها. لا أريد أن أطيل الحديث في هذا الموضوع، ولكن ما يهمني أكثر هو التحليل الذي جاء على لسام الدكتور الطوزي في الحوار الذي نقل في موقع هسبريس. شخصيا، ومن باب المقدمات الضرورية التي يلزم التنبيه عليها، أحترم كفاءة الدكتور الطوزي كمتخصص في علم السياسة، ولا أرى أن القدح في مستواه العلمي سيساعد على إجراء حوار عقلاني معه، هذا مع التقدير بأن الإلمام بالمقتربات النظرية والتفسيرية في علم السياسة، لا يعني بالضرورة الإلمام بحيثيات السياسة ومعطياتها، فكثير من علماء السياسة لم يفلحوا في أن يصيروا محليين سياسيين. هذا فقط، حتى نميز بين مناقشة الأفكار وتحطيم الأشخاص وقدحهم في مستواهم وكفاءتهم العلمية. أما المقدمة الثانية الضرورية في النقاش، وهو أن لدكتور الطوزي لا يتقن اللغة العربية، ولا يجيد التعبير عن أفكاره بها، وشخصيا ، حاورته ثلاث مرات، واكتشفت أن هناك صعوبة كبيرة في نقل أفكاره، لكن على الأقل لحد الآن لم يصدر عنه ما يفيد أني لم أنقل أفكاره بشكل جيد في الحوارات التي أجريتها معه. ولذلك، سنناقش ما نقل عنه في حواره دون أن يعني ذلك التسليم بأن ذلك هو ما عبر عنه حقيقة. سأتوقف على فكرتين أساسيتين، أشك أن يكون الطوزي الذي أعرفه قد صرح بهما، بحكم تتبعي لمسار أفكاره، أما حديثه عن بناء الأقطاب على أرضية إيديولوجية وأن من شأن ذلك أن يعطي بعض الوضوح في المشهد السياسي، فقد سبق أن عبر عن ذلك مرات عديدة، وكذلك تصنيفه للمكونات الثلاثة التي تنتظم جسم حزب العدالة والتنمية (الفقهاء الدعاة، والسياسيين، والتكنوقراط) مع الاختلاف الكبير الذي يمكن أن نسجله بخصوص موقع الدعاة في العمل السياسي، والمنطق الذي يتم به تدبير السياة في الحزب، وأنماط التفاعلات بين هذه المكونات، وغيرها من القضايا التي أعتبر أن ضعف التتبع وقلة المعطيات التي يتوفر عليها الطوزي كانت دائما عائقا أمام تمكنه من بناء نسق تحليل قادر على فهم وتفسير السلوك السياسي لحزب العدالة والتنمية. ما يثير الدهشة في تحليل الطوزي، أن العبارات التي استعملها يفهم منها انتقال السيد الطوزي من محلل سياسي إلى فاعل سياسي، فالمحلل لا يعبر بلفظ المشاعر ولفظ الألم، وذلك حين يقول بأنه ” مؤلم جدا على المستوى العاطفي أن يقبل الملك بتقاسم الحكم مع الإسلاميين” هذا من حيث المبدأ، أما من حيث المضمون، فغير مفهوم من الناحية السياسية معنى قبول الملك لاقتسام السلطة، لاسيما وأن ألأمر لا يتعلق بالملك ولا بالإسلاميين، وإنما يتعلق بإرادة الشعب التي تم التعبير عنها في اقتراع 25 نونبر التي أجمع الجميع على أنه مر في ظروف نزيهة. بهذا المعنى، أو بهذه الإرادة الشعبية لا يكون لاستعمال لفظة القبول اي معنى إلا إذا كان الدكتور الطوزي يقصد بذلك الإرادة الملكية في ضمان نزاهة الانتخابات، وفي هذه الحالة سيكون مدلول كلامه خطيرا لأن كلامه لن يتحمل إلا معنى واحدا وهو أنه كان الأجدى ألا تكون هناك إرادة ملكية لضمان نزاهة الانتخابات حتى لا يكون ألأمر مؤلما من الناحية العاطفية. وهذا ما ننزه الدكتور الطوزي عنه. إن الملك، بالاعتبار السياسي والدستوري، ولا دخل لنا بالعواطف هنا، هو ملك جميع المغاربة باختلاف مكوناتهم، وعواطفه ايضا محكومة بالمقتضيات الدستورية، فلا يتيح له الدستور بصفتهملكا لكل المغاربة أن يحب حزبا دون آخر، أو أن يفرد حزبا بالمحبة والتقريب، ويكن لحزب آخر مشاعر العداء والكراهية. هذا مما ينزه الملك عنه بمقتضى الدستور، وتعيين الملك للسيد بنكيران والأجواء التي مر فيها التعيين تظهر خلاف ما تحاول وثائق ويكليكس أن تروجه لخلق الهوة بين الملك والقوى الحية في البلاد. إن حديث الطوزي عن كراهية الملك للإسلاميين يمكن أن ينظر إليه على أساس أنه خطير من الناحية السياسية والدستورية، وربما اعتبر فيه البعض مسا بشخصية الملك واعتداء على حرمته بحجة أنه نزل الملك منزلة المفرق بين مكونات الشعب، لكن مع ذلك، لن نقف كثيرا على هذه الدلالات الممكنة، وإنما سنقف على الجانب العلمي في الموضوع، وهو المعطيات التي بنى عليها الطوزي هذا الكلام، وكيف عرف أن الملك يكره الإسلاميين، وكيف سوغ لنفسه أن يقول بأن الجميع يعرف أن الملك يكره الإسلاميين، وكيف غاب عن كثير من الناس ومنهم مناضول العدالة والتنمية وهم من هذا الجميع، أ، الملك يكرههم، وكيف بقوا في مواقع المشاركة السياسية ولم يلتحقوا بجماعة العدل والإحسان وهم يعلمون أن الملك يكرههم؟ إن علم السياسة يقوم على نظريات ومقتربات تفسيرية ونماذج معرفية، لكن التحليل السياسي يقوم على معطيات، ومعطيات وثائق ويلكليكس في علم السياسة هي بدورها متن سياسي ينبغي إخضاعه للتحليل السياسي، فكيف جوز الدكتور الطوزي لنفسه أن يعتبرها حقائق ويجعلها مقدمات لتحليل سياسي؟ إن الذي يقرأ تحليل الطوزي ربما يتصور أنه التقى الملك، وأعرب له جلالة الملك عن مشاعره اتجاه الإسلاميين، وربما يتصور أكثر من ذلك، لكن بالنسبة إلينا مباحثين أومتابعين للشأن السياسي، لا نرى إلا شيئا واحدا هو أن العدالة والتنمية تصدرت نتائج الانتخابات، وأن الملك كان بإمكانه الدستوري أن يعين غير بنكيران، لكنه عينه مع وجود محللين مثل الطوزي سبق لهم أن قالوا إن المؤسسة الملكية تنزعج من بنكيران. الخلاصة، هل نتبع في التحليل السياسي المعطيات التي تجري على الأرض، أم نتبع ألأحاسيس والمشاعر، أم نتبع وثائق ويكليكس، أم نكتب أشياء ربما يفهم منها المتتبعون أنها كتبت على مقاس بعض الأهواء؟
المصدر: التجديد نشر في التجديد

