رست الحملة أمام مقهى ممتلئ ، والناس مشدوهين إلى التلفاز يتابعون شطحات نجمهم المفضل “ميسي” . كل الأماكن شاغرة ، والآذان منتصبة في خشوع لمذيع بح صوته ، وهو ينقل مباراة الموسم على الضفة الأخرى.

وقف الجميع في الشارع ينصتون إليه ، يجهر بنبوءاته بين الناس…. – سأشغلكم … ، سأحسن صورتكم وصورة مدينتكم وبلدكم ….. سأعمل على اجتثاث جذور الرشوة من أروقة المكاتب في إداراتكم…. سأرقى بكم إلى السماء السابعة …. ، حيث النقاء والصفاء. الغاوون والمأجورون والأتباع يطوحون بالمنشورات والشعارات في الهواء على رؤوس المارة ، تنتهي بين أيدي صبية كشقائق النعمان … كنعناع أخضر، أو تتكدس في مفترق الطرقات تحت إشارات المرور ، يلقون بالصور الملونة للمرشحين يمينا وشمالا. لم تكن الحملة لتخلو أيضا من المغفلين كما في كل المواسم ، فئة تؤمن بنصيبها فترجع إلى ثكناتها في المقاهي ، أو فوق الأسوار القصيرة قرب الشوارع الهامشية . تدور المسيرات تلو الأخرى وتلف حول الأحياء ، فتعلو الشعرات ” الشعب يريد…”. تضيع أحلامنا ، طموحاتنا ، خيبتنا في ضجيج الشعارات ، نودع كل حملة إلى آخر سطر في مهب الريح ، لنستقبل أخرى. تضيء النجوم في واضحة النهار، ويطلع البدر مكتملا في ظل حماس ربيعي وشعارات حماسية ” الشعب يريد…” ، قبل أن نستفيق فيما بعد على أيامنا الرتيبة. هو لا يريد في الحقيقة شيئا….، فقط زيت وماء وقليل من الخبز. تحاصرك الشعارات والمسيرات أينما حللت في أرجاء المدينة ، تمطرك سماؤها بكثير من الشعارات ” الشعب يريد…”. تهرب الحبيبة من كل مواعيدها الموسمية ، ويظل ” الشعب يريد…” معلقا إلى موسم آخر. أظل واقفا أحترق و ” النار تلدغ صدري ، ولا نبع ماء قريب ” ، أرقب متى يزهر ورد الربيع في حديقتي . تهمس الأفواه من وراء النوافذ ” الشعب يريد…” ، تتبعها تلويحات بأيد بريئة وزغاريد خجولة مترددة . أرقب وردتي وأسميها جهرا كي تتفتح في دمي ، فيضحك مني الورد في وجع ، وتمارس اللحظات علي سطوتها وأنا واقف أرقب الفجر في عز الظهر. تحتبس الرعشة بين أنفاسي وأترقب لمن تفتح أبواب الجنة. لكن لا يهم… ، سأشكل الأرض ثانية على هواي قبل أن ألتزم الحياد. أتحسس جبهتي فأجدت بها ندوبا من سنوات خلت. في الليلة التي تسبق الحملة ، تغتسل الأزقة والشوارع من دنس الماضي وتتزين للعريس في حلتها الجديدة … : ” هيت لك…”. أفكر في مكان آمن لوردتي هذا العام ، كي تتفتح على هواها ويذوب عطرها في جسدي كاملا مثل أغنية غجرية. لكن سدى …، تأتي الحملات كل موسم لتذكرنا بالأماني ، كل المنسي منها لحظة ثم ننسى سريعا. واقفا كنت وحدي داخل أعماقي ، يبتسم الناس وقد تناسوا أحلاما وأوهاما أو يكشرون في غيض ، يغيب بعضهم لسنوات ثم يظهرون. يبغضني بعض الناس و يحبونني آخرون وأنا متأبط وردتي ، وأحيانا يلعنوني ..، أسمع راضيا ، فأصمت ولا أجيب أحدا. تتنوع إيقاعات الخطو ، يطل الناس من النوافذ والشرفات. أفهم كل شيء وأحيانا أتعب دون أن أفهم أي شيء. يأخذ الناس أوراقهم ، يمزقونها ، يقطعونها وينصرفون غير عابئين : ” كلكم بحال – بحال..” – ” من وكيل لائحتكم…؟ ” – ” شفار…/ مزيان…”. مشهد مسرحي كوميدي ضاحك / باك ، مع ذلك يصعب الجزم بأنه عابث. تتمنى الشوارع لو ترتاح من هذا ضجيجها المفتعل قليلا وأصحو من غفوتي ، أتظاهر بالصمت أمام عضلات مفتولة ، مستعدة لكل شيء إلا أن تسمعك. قد تحدث مجازر أحيانا ، فيذهب ضحيتها أناس طيبون وأحيانا نتخلص من بعض الأشرار، ملح الحملات والمسيرات ككل موسم ، تنشغل الأفواه قليلا ويتجانس المداد مع الدم. يجهد الحاج / الأستاذ علي جسده المتهالك على المسير في الشارع الطويل ، تتبدل الوجوه في كل موسم ويصر هو على أن يكون حاضرا . يمرون مسرعين أو متباطئين ، يصرعلى مجاراة المسيرة ، يقف قليلا ليسعل ثم يعتذر للمحيطين به. تقفل الأبواب المفتوحة وتفتح الموصدة ، يطلون من الشبابيك أو الشرفات ، تتوارى مسيرات وتحل أخرى. تترك وراءها أوراقا من مختلف الألوان ورموزا ، مع صور لوجوه ناعمة بربطات عنق مستوردة . والعابر لا يحط رجليه في ضفة واحدة ، رجل هنا وأخرى هناك …أو لا انتماء…، بعضهم لا يحطهما ويطير، فلا ينزل إلى الأرض كي لا تقع قدماه في المصيدة . وصلت المسيرة الأخيرة إلى الشارع الطويل ، تتقدمها عربة يعلوها مكبر صوت ضخم ، تردد هي الأخرى شعارات مستنسخة من سابقاتها. رست الحملة ، وقف زعيمهم يخطب في الناس : – س….. – س…. – س…. رموا بأوراقهم …، تركوا صورا لمرشحيهم وانسحبوا… التفت …، وجدت أمامي ماسح أحذية وقد عري في ابتسامة عريضة عن طاقم أسنان متآكل ، يتأمل حملة من الأحذية الغليظة تدك بلا رحمة وجوها منبطحة أرضا ، وقد علاها الغبار…!!

المصدر: إدريس الواغيش نشر في طنجة الأدبية

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version