وأنا في عزلتي، تذكرت قبيلتي الأمازيغية التي تسكن وجداني، وحتى لا أنسى كنت بين الحين والآخر أستحضرها من الذاكرة. افتقدتها، وكتبت ما كتبت. وإليكم النص الرابع عشر من كتاب “سفر ابزو”.
16 وَشْمُ الْأَسْلاَف كَمْ هُوَ أخْضَرٌ وَشْمُ أسْلافِي، يَفُوحُ مِنْهُ عَبَقُ ذَاكِرَةٍ مَحْفُورَةٍ فِي خَلاَيَا الْجَسَدِ وَالْجِلْدِ. يَتَوَهَّجُ الْجِلْدُ، يَعْتَلِي قِمَّةَ الزَّمَنِ، وَيَتَمَطَّى مُتَحَدِّيًا سَطْوَةَ النِّسْيَانِ، شَامِخًا يَلُوحُ وَهُوَ يَرْسُمُ كُلَّ أَشْكَالِ الطَّبِيعَةِ وَالْكَوْنِ، يَخْتَزِلُ ثَقَافَةُ لَمْ تَسْعَفْهَا الْعَلاَمَاتِ الْمُرَمَّزَةِ، فَأَبْدَعَتْ لَهَا رُمُوزًا بَدِيلَةً حَتَّى تُحَافِظَ عَلَى كَيْنُونَتِهَا فِي الصِّرَاعِ الْأَبَدِيِّ بَيْنَ الْعَلاَمَاتِ وَالدَّلاَلاَتِ. وَشْمُ أَسْلاَفِي يَنِمُّ عَنْ رُوحٍ خَلاَّقَةٍ أبَتْ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ وَتَدُومَ وتَسْتَمِرَّ، رَغْمَ الْأَيَادِي الْآثِمَةِ الَّتِي عَبَثًا تُحَاوِلُ أَنْ تَمْحُوَهُ. وَهُوَ أَبَدًا يُنَاضِلُ، وَمَا تَخَلَّى قَطُّ عَنْ وَطَنِهِ وَأَرْضِهِ. وَإِذْ يَتَغَرَّبُ فَقَدْ وَاصَلَ السَّفَرَ عَلَى جَسَدِ أَسْلاَفِي، وَيُعِيدُ عَلَى الدَّوَامِ تَشْكِيلَ وَجْهَ الْأَيَّامِ، يَمْنَحُهَا الْمُسْتَقْبَلَ، وَيُغَذِّي فِينَا الْخَيَالَ، وَيُغْريِنَا لِنَرْكَبَ الْمُسْتَحِيلَ وَنَرْحَلَ فِي مَتَاهَاتِ الْأزْمِنَةِ الْفَائِتَةِ، وَالَّتِي تَبْدُو رَغْمَ كَثَافَةِ الضَّبَابِ، نَاصِعَةَ الْبَيَاضِ. لِوَشْمِ أَسْلاَفِي قُدْرَةٌ رَهِيبَةٌ عَلَى الْوِلاَدَةِ الْمُتَجَدِّدَةِ، يتَنَاسَل فِينَا وَمنَّا، وَيَتَسَلَّلُ خِلْسَةً إلَى أشْيَائِنَا، لِيَهَبَنَا سِرَّ الْبَقَاءِ وَالامتداد. إنِّي لَأَرَاهُ يَزْدَادُ خُضْرَةً وَأَلَقًا كُلَّمَا شَاخَ جِلْدُ أَسْلاَفِي، وإذا ما لَمَسْتُهُ، أشْعُرُ بِرَهَافة الأنَامِلِ الَّتِي ثَبَّتَتْ تَفَاصِيلَ الصُّوَرِ فَيَأْخُذُنِي الْحَنِينُ والشَّوْقُ إِلَى فُصُولِ الْبِدَايَاتِ. كَالغَيْمَةِ الْحُبْلَى وَهِيَ تَقِفُ مُتَأَمِّلَةً صُفْرَةَ الرِّمَالِ، وَكَكَائِنَاتٍ سِحْرِيَةٍ جَاءَتْ مِنْ غَابَةِ الأسَاطيرِ هو وَشْمُ أَسْلاَفِي. يَجْمَعُ تَشَرْذُمِي كُلَّمَا نَظَرْتُهُ. فِيهِ مَدَايَ وَأُفْقُ كَيْنُونَةٍ تَبْحَثُ عَنْ هُوِيَةٍ. فِيهِ أَتَحَوَّلُ رُوحًا يَخْتَرِقُ الْخُطُوط وَالنُّقَطَ…وَأَشْتَاقُ، فَأمُدُّ إلَيهِ خُيُوطًا مِنْ مَطَرٍ، لِيَبْقَى دَائِمَ الْاخْضِرَارِ، وَيَنْشُرُ ظِلَّهَ لِتَتَفيَّأهُ الْأجْيَالُ الْقَادِمَةُ لما يُرْهِقُ أقْدَامَهَا طُولُ الرَّحِيلِ في ظِلاَلِ الْآخَرِينَ. وتَخْجَلٌ العَيْنُ وَهِيَ تَقَعُ عَلَى الْوَشْمِ الْمَنْقُوشِ فَوْقَ جِلْدِ أَسْلاَفِي، يَكَادُ البُؤْبُؤُ يَقْفِزُ مِنْ شُرْفَتَيْهِ حِينَ تُسَلَّطُ عَلَيْهِ خُضْرَةُ وَشْمُ أَسْلاَفِي، لاَ الْمَاءُ قَادِرٌ عَلَى مَحْوِهِ، وَلاَ النَّارُ تَسْتَطِيعُ إِطْفَاءَ النُّورِ الْمُنْفَلِتِ مِنْ وَهَجِهِ. هُوَ ذَاكِرَةٌ لِجُغْرافِيَةٍ اغْتُصِبَتْ ذَاتَ سَهْوٍ. جُلُودُ أَسْلاَفِي أَسْفَارٌ سَجَّلُوا فِيهَا تَارِيخًا نٌذِرَ لِلْمُكَابَدَاِت، وَكَانَ الْجَبِينُ وَالْخَدُّ وَالذَّقْنُ وَالْفَخِذُ وَالْبَطْنُ وَالرِّجْلُ والمِعْصَمُ وَالْخِصْرُ وَالرِّدْفُ وَالْجِيدُ..أَوْرَاقًا لِهَذَا السِّفْرِ الْمُقَدَّسِ. كُلُّ الَّذِينَ حَاوَلُوا اسْتِئْصَالَ وَشْمَ أَسْلاَفِي اكْتَشَفُوا أَنَّهُمْ لَنْ يَغْسِلُوا الرِّيحَ أَبَدًا مِنْ بُذُورِ اللِّقَاحِ. يَشْحُبُ الزَّمَنُ، تَكْسِفُ الشَّمْسُ، يَخْسِفُ الْقَمَرُ، أَبَدًا لَمْ وَلَنْ يَذْبُلَ وَشْمُ أَسْلاَفِي، وَكُلَّمَا مَضَى الزَّمَنُ، ازْدَادَ تَأَلُّقًا. أَقْلَقَ الْكَثِيرِينَ، أَرَّقَ عُيُونَهُمْ، حَاوَلُوا اغْتِيَالَهُ، وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ يُذَكِّرُهُمْ أَنَّهُ كَيْنُونَةٌ، وهُوِيَةٌ، وَامْتِدَادٌ.
المصدر: المصطفى فرحات نشر في أزيلال أون لاين

