بعد أن أعلن مؤسس الحزب عن استقالته من رئاسة لجنتين دخل حزب الأصالة والمعاصرة مرحلة جديدة بعد إعلان مؤسسه فؤاد عالي الهمة طلب إعفائه من رئاسة لجنة الانتخابات ولجنة التتبع داخل الحزب، وذلك بعدما تزايدت الانتقادات للهمة ولحزبه، وارتفعت فيه وتيرة الاستقالات الجماعية لعدد من الأعضاء والمستشارين بعدة أقاليم، إثر الاحتجاجات الشعبية على هذا الحزب ومؤسسه في مختلف المسيرات التي نظمت في الشهور القليلة الماضية. ويبدو أن خطوة الهمة ترمي إلى تحقيق هدفين: الهدف الأول هو الابتعاد عن مباشرة المهام داخل الحزب، وإعطاء هذا الأخير الفرصة لكي يبني صورته كحزب سياسي مستقل عن شخصية الهمة التي طغت عليه منذ تأسيسه. والهدف الثاني هو إقناع الشارع المغربي والفاعلين السياسيين -الذين بدأ بعضهم يطالب علنا بحل الحزب- بأنه لم يعد يتحمل أي مسؤولية داخل الحزب. ويرمي الهدفان معا في هذا التوقيت إلى توفير تدبير سلس للأزمة التي يجتازها الحزب في الوقت الحالي، وعبور هذه المرحلة بتكلفة سياسية أقل. ومنذ ميلاد حركة 20 فبراير وبدء حراك الشارع المغربي أصبح حزب الأصالة والمعاصرة لمؤسسه فؤاد عالي الهمة في الواجهة، فقد نقلت التطورات الأخيرة في المغرب حزب الجرار كما تطلق عليه الصحافة أحيانا دون أن يخلو ذلك اللقب من مدلول سياسي من الواجهة السياسية إلى الواجهة الشعبية، فبعدما كان وجوده وأداؤه السياسي موضع انتقاد -صريح أو ضمني- في الوسط السياسي المغربي، أصبح موضع انتقاد شعبي شبه عام، إذ لأول مرة تخرج تظاهرات في الشارع المغربي حاملة صورا لمؤسس حزب سياسي، فقد جرت العادة أن يتم الاحتجاج على مسؤولين داخل الدولة أو الحكومة وليس على هيئة سياسية، لكن حركة 20 فبراير غيرت الموازين. بالنسبة لمن رفعوا شعار رحيل الهمة عن الحزب، أو تقدموا خطوة وطالبوا بحل الحزب نفسه، كانوا يعتبرون أن مؤسسه واحد من رموز الدولة في العهد الجديد، وأنه خرج من أروقة وزارة الداخلية، وأن تأسيس الحزب لم يكن تأسيسا عاديا مثل سائر الأحزاب، وكان هؤلاء يعتبرون أن الحزب جاء في مهمة خاصة في ظروف سياسية خاصة، لذلك كان من السهل أن يتم وضع الحزب في قائمة غير المرغوب فيهم بالمغرب، في إطار الحراك السياسي الجديد في البلاد. لقد ولد حزب الأصالة والمعاصرة، عام 2008، وفي فمه ملعقة من ذهب، واستطاع خلال سنة واحدة أن يحقق مكاسب سياسية هائلة لم يتمكن أي حزب سياسي مغربي آخر من تحقيقها ربما طيلة مساره الطويل، أو نجح في ذلك بعد سنوات من الكر والفر مع الدولة، وقفز بخطوة واحدة لكي يتصدر المشهد السياسي والانتخابي محمولا على الأكتاف، وفي أحيان كثيرة كانت هذه المكاسب السهلة والسريعة تعطي الانطباع لمكونات الساحة السياسية المغربية بأن الحزب محمي من طرف الدولة التي تفتح له الطريق، في وقت راج فيه الحديث عن حياد الدولة في الانتخابات وفي الحياة السياسية، -وربما كانت هذه مفارقة- في وقت اتفقت فيه جميع المكونات السياسية على أن الانتخابات الأخيرة مرت في ظروف نزيهة، إذ على الأقل لم تخرج أي هيئة سياسية تطعن في نزاهتها. السرعة التي سار بها الحزب الجديد منذ ميلاده قبل ثلاث سنوات فقط، وقوة الدفع التي جاء بها، والقدرة الفائقة على المناورة السياسية، كلها عوامل شجعت على التشكيك في نواياه وفي البيئة السياسية التي يتحرك فيها، إذ الواضح أن تلك السرعة في جني المكاسب السياسية كانت عنصرا لغير صالح الحزب الذي لم يختر الهدوء والتدرج، وساعدت أكثر على ترسيخ حالة من العداء السياسي له وسط الفاعلين الآخرين، وأظهر أداء الحزب أن السرعة لا تقتل على الطريق فقط بل يمكن أن تفعل ذلك في السياسة. وعلاوة على هذه المنهجية في الأداء السياسي، عمل الحزب من الناحية التنظيمية على ربط نفسه باسم مؤسسه فؤاد عالي الهمة، وليس بأجهزة ومؤسسات حزبية، وهذا لا يعني أن الحزب لم يكن يشتغل بأجهزة ومؤسسات، لكنه يعني أن عمل هذه الأجهزة ارتبط بكاريزما شخص واحد هو الهمة الذي بدا أن الحزب يأخذ قوته من شخصيته هو، بوصفه صديقا للملك وشخصا نافذا في الدولة، أكثر مما يتخذ الهمة قوته من انتمائه الحزبي. أكثر من ذلك، ارتبط الكثيرون ممن اختاروا الانتماء إلى الحزب بصورة مؤسسه وليس بتلك الأجهزة والمؤسسات، إذ كان الدافع وراء الانتماء لدى جل من انخرطوا في الحزب هو وجود الهمة، وليس طبيعة الحزب السياسية، بالرغم من جميع الشعارات التي رفعها في بداياته حول تخليق العمل السياسي وعقلنة الحقل السياسي و«السياسة بطريقة مخالفة»، فقد ظهر لاحقا أن كل تلك الشعارات كانت مجرد كلام في الهواء، وسط مناخ سياسي تكثر فيه الشعارات ويقل فيه العمل. ويمكن القول إن الهمة يسعى اليوم إلى رمي الكرة في شباك مسؤولي الحزب، وعلى رأسهم أمينه العام محمد الشيخ بيد الله، الذي يبقى مطلوبا منه أن يثبت بأنه رجل الحزب الأول والأخير كمسؤول عنه، وأن يدفع صورته إلى الأمام تدريجيا لكي تحل محل صورة الهمة. لكن التحدي الأكبر الذي يواجه الحزب، في حال ما نجح في التخلص من صورة «رجل الدولة» داخله، هو أن يؤكد أنه ليس «حزب الدولة» كما أطلق عليه منذ ميلاده، وبمدى قدرة الحزب على رفع هذا التحدي يكون قد نجح في أن يضع نفسه وسط المشهد السياسي المغربي دون أن يحيط نفسه بنفس أسئلة الأمس.
المصدر: إدريس الكنبوري نشر في الوجدية

