في محاضرته الأخيرة، قال رئيس الوزراء معروف البخيت إن ”دولة فلسطينية من دون ضمان حق اللاجئين في العودة والتعويض، ومن دون القدس ، ليست الدولة الفلسطينية المنشودة”، وأنها تصفية مباشرة واغتيال للمشروع الوطني الفلسطيني، وأن الحكومة مسؤولة بكل معنى المسؤولية عن الدفاع عن حقوق مواطنيها. هذا كلام جديد ومتميز، وهو بالفعل يستحق التوقف، ولا نعرف إن كان يعبر عن موقف رسمي، أم مجرد وجهة نظر شخصية تجامل خطابا لبعض الأطراف هنا في الساحة المحلية، فضلا عن قطاع عريض من الناس يعيشون هواجس التوطين والوطن البديل (ثمة إجماع على رفض مشروع الوطن البديل)، لاسيما أن كثيرا منهم قد أخذوا يدركون على نحو أكثر عمقا أن التسوية المطروحة هي في جوهرها تهديد للأردن مثلما هي إجهاض للحلم الفلسطيني، أقله في المدى القريب، وربما المتوسط. لن نتوقف هنا عند قضية القدس التي مرّ عليها خطاب البخيت، ويعرف الجميع أنها تحظى بإجماع منقطع النظير في الدوائر الإسرائيلية، حيث أثبتت وثائق التفاوض حجم التنازلات التي قدمها المفاوض الفلسطيني في ملفها من دون أن يرضي ذلك شهية الطرف الإسرائيلي، فيما نعلم أن هذا الملف هو تحديدا ما أفشل مفاوضات كامب ديفيد صيف العام ,2000 وأن أقصى ما يمكن أن يبتلعه الصهاينة هي صيغة كلينتون التي تقتسم مع الفلسطينيين القدس الشرقية ، فيما لا تبعد الأيدي الصهيونية عن المسجد الأقصى وسائر المربع المقدس تحت مسمى ترتيبات سياسية برعاية دولية. نسأل بعد ذلك، هل هناك من يعتقد حقا أن التسوية المطروحة في الأفق، إذا كانت هناك تسوية بالفعل، يمكن أن تتضمن حق العودة الفعلي للاجئين الفلسطينيين؟ أعتقد أن الحالمين وحدهم هم من يقبلون هذه النظرية وفق الوضع الراهن والمسار السياسي الفلسطيني المعتمد، ليس فقط لأن المبادرة العربية للسلام التي أقرت في بيروت 2002 لا تقول بذلك (نذكّر بأن الطرف الإسرائيلي لم يقبلها رغم ذلك)، بل أيضا لأن وثائق التفاوض التي اعترف القوم بصحتها تثبت أن الإسرائيليين قد رفضوا حتى مجرد العودة الرمزية للمناطق المحتلة عام ,48 وقالت تسيبي ليفني لنظرائها الفلسطينيين بالفم الملآن إن رقم من سيعودون هو صفر (جاء ذلك في سياق تعليقها على قبول أولمرت بعودة خمسة آلاف، نكرر خمسة آلاف حتى لا يظن البعض أننا أخطأنا في الرقم، بينما لم يتجاوز مطلب السلطة رقم المئة ألف يعودون على عشر سنوات). سيقول بعض الشطار إن اللاجئين سيعودون إلى مناطق الدولة الفلسطينية، وإن المسألة تغدو محلولة من زاوية النظر الأردنية، غير أن هذا القول يتجاهل حقيقة أن العودة لمناطق الدولة ستتم بحسب وثائق التفاوض من خلال التوافق مع الطرف الإسرائيلي وبحسب قدرة الدولة الوليدة على الاستيعاب. هذا من حيث المبدأ، لكن تجاوزنا لهذه النظرية، وإيماننا بأنه سيكون بالإمكان العودة لمناطق السلطة، لا يمكن أن يأخذنا بعيدا عن حقيقة أن تلك الدولة بترتيباتها المعروفة في ظل موافقة الطرف الفلسطيني على بقاء الكتل الاستيطانية الكبيرة تحت مسمى تبادل الأراضي يعني أن الكيان العتيد سيكون مجزأ الأوصال، وأنه سيكون تبعا لذلك عاجزا عن استيعاب أهله الحاليين (حوالي 40 في المئة من مواطني الضفة والقطاع هم لاجئون ويسكن كثير منهم المخيمات)، فضلا عن استقبال آخرين يصل تعدادهم حوالي خمسة ملايين. في ضوء ذلك، كيف سيرد الأردن على هذا الحال، وهل تشكل تصريحات البخيت بداية صحوة على هذا الصعيد، تتجاوز معاهدة وادي عربة والمبادرة العربية، أم أنها محض مجاملة للرأي العام كما أشير من قبل؟ بعيدا عن الإجابة النظرية لهذا السؤال، فإن الإجابة العملية التي نتابع فصولها منذ سنوات بعيدة ما زالت تذهب في اتجاه آخر، ذلك أن دعم التسوية والمفاوضات يتناقض عمليا وعلى نحو سافر مع هذا الكلام، ووحده دعم خيار المقاومة هو ما يمكن أن يؤدي إلى حل حقيقي للقضية الفلسطينية يتضمن عودة اللاجئين، لأن عودة كهذه لن تتحقق بغير دحر الاحتلال بدون قيد أو شرط كمقدمة لشطب مشروع الاحتلال برمته، الأمر الذي لم يعد مستحيلا في ظل الثورات العربية التي ستطيح بسياج الحماية الذي توفر لدولة العدو طوال عقود. ننتظر أن نرى موقفا داعما للمقاومة يحقق ذلك، ومن يعتقد أن بوسعه توفير طبخة من النوع المشار إليه (مفاوضات وتسوية مع اعتراف بحق عودة اللاجئين) فليتفضل ويقنعنا بها، وسنتجاوز معه بعض الشيء عن قضية القدس التي لا تقل تعقيدا عن قضية اللاجئين.
المصدر: التجديد نشر في التجديد

