بعض المنابر الإعلامية لا تتوقف هذه الأيام عن التخويف من البعبع السلفي، حتى إنها لتنسى أو تتناسى أولويات المغاربة اليوم، فتتصور واهمة أن المغاربة لا يزالون يعيشون على إيقاع أحداث 16 ماي. فبعد الإفراج عن الفوج الأول من معتقلي ما يسمى السلفية الجهادية، وفي مقدمتهم الشيح محمد الفزازي، بدأت بعض المنابر تطرح ما يمكن أن نصطلح عليه ب”السلفوبيا” بغاية إرهاب المغاربة وتخويفهم من السلفيين ومن خطورتهم على الأمن والاستقرار ومن التهديد الذي تمثله هيمنتهم على المشهد الثقافي والسياسي!!
البداية كانت بشكل التعاطي مع خبر هجوم جاني ذي سوابق عدلية على أفراد بمقهى بمدينة طنجة، إذ نشرت بعض الصحف بالعنوان العريض في الصفحة الأولى خبر هجوم ”سلفي” على مقهى وقتله لمواطن وجرحه لاثنين أحدهما فرنسي، ثم توالت الأخبار تتحدث عن مشاركة السلفيين في مظاهرات 20 فبراير، ثم انفردت جريدة بجعل خبر تهديد القاعدة للمصالح الحيوية للمغرب إن لم يقدم على الإفراج على معتقلي السلفية الجهادية، هذا دون أن ننسى بيانات إحدى الجمعيات التي تتدخل في الوقت الذي يكون القصد من تدخلها التخويف من الإسلاميين وتقوية بعض أجنحة الدولة لاستعادة المبادرة ضد المتطرفين !! لا يهمنا كثيرا الوقوف على هذه الأشكال البائدة التي لم تجتهد جيوب مقاومة الإصلاح الديمقراطي في تطويرها ولا تغييرها، كما لا يهمنا محاولات شغل الرأي العام بتناقضات وهمية أو ثانوية بين مكونات الصف الديمقراطي وإثارة قضايا هوياتية وقيمية بهدف محاولة تفجير الصف الديمقراطي من الداخل وتأليب بعض القوة الديمقراطية ضد الإسلاميين ، فهذه المناورات تتأسس على منطق ضعيف لم يعد أحد يصدقه، فالسلفيون في المغرب، إن صح أن يجمع مفرد السلفي هذا الجمع، كانوا إلى عهد قريب – بحسب محللي وخبراء مناهضي الديمقراطية- يشكلون أشد أعداء الديمقراطية، بل إن واجهات جيوب مقاومة الإصلاح الديمقراطي: الحقوقية والإعلامية والبحثية والفنية، كانت تعتبر التيار السلفي العدو الأكبر للديمقراطية، فكيف يصير السلفيين بين ليلة وضحاها في عرف هؤلاء مكونا أساسيا داخل حركة شعبية تناضل من أجل الديمقراطية وتحارب الفساد والاستبداد؟ لن نكثر في الرد على هذا المنطق المتهافت، لكن ما يهمنا في هذا المقال أن نكشف الحالة التي عليها مناهضو الصحوة الديمقراطية في المغرب، وأن نرى من خلف مناوراتهم الضعف الذي يجعل حركة النضال الديمقراطي ترتب الخطوة التالية بكل تؤدة واتزان. خلف حالة الترنح التي يعيشها مناهضو التحول الديمقراطي في المغرب خوف شديد من أن يتم الإجهاز على المكتسبات التي حققوها مباشرة بعد 16 ماي ,2003 أي بعد التوظيف القذر لتفجيرات الدار البيضاء ، والتي كان عنوانها الأبرز تدشين مسار كامل من النكوص الديمقراطي في المغرب. ولذلك، فإن أخوف ما يخيف جيوب مقاومة التحول الديمقراطي في المغرب اليوم، هو أن تصدر مبادرات ملكية جديدة تتجاوب مع تطلعات الشعب. طبعا هي لا تقدر على الاعتراض على المبادرات الملكية السابقة، لكنها تبعث برسائلها إلى الملك، وكأنها تحذره من الإقدام على مبادرات أخرى جريئة. ربما كان ملف ما يسمى بالسلفية الجهادية هو الوجه البارز في هذه الرسائل، لكن من المؤكد أن هذه الرسائل لا تكتفي بمحاولة الضغط لإيقاف مسار الإفراج عن المعتقلين، ولكنها تمضي بعيدا في اتجاه الإقناع بخطورة فتح ملفات الفساد على مصراعيها، وخطورة وضع البيض كله في سلة واحدة، وخطورة فسح المجال للحريات، وخطورة عدم ترك هامش يسمح بسيلان ما لا يراقب من ثقب الكيس….. البعبع السلفي ما هو إلا رسالة واحدة، والمقصود تعطيل أي مبادرة حقيقية يمكن أن تعطي مضمونا فعليا للإصلاح. ولذلك، واستحضارا للذاكرة التاريخية، الذاكرة التي تذكرنا ب”الانتصارات” التي حققها مناهضو الديمقراطية ضدا على إرادة الشعب المغربي وقواه الحية، بل الانتكاسات التي أصابت مسار الديمقراطية بسبب التوظيف القدر لأحداث 16 ماي، فإن برنامج حركة النضال الديمقراطي، ينبغي إلى جانب العناوين الكبرى التي رفعها والتي شملت الأبعاد الثلاثة الرئيسة ” السياسية والاقتصادية والقيمية، ينبغي عليه أن يبدأ بدك الإنجازات التي حققتها جيوب مقاومة النضال الديمقراطي، وفي مقدمتها قانون مكافحة الإرهاب الذي كان وشمة عار في جبين التجربة الديمقراطية في المغرب. كل الشروط اليوم متوفرة لإلغاء هذا القانون، الموضوعية والذاتية ، المحيط الدولي والإقليمي، والحراك الذاتي التي توفره حركة النضال الديمقراطي، كل ذلك يعطي الوقود اللازم لانطلاق حراك قوي يرفع شعار إلغاء قانون مكافحة الإرهاب. الذاكرة التاريخية القريبة تسجل أن هذا القانون كان مشبوها في مضمونه وسياقه وتوقيته، وكان مرفوضا من قوى الأمة الحية، وإنما تم فرضه فرضا في اللحظة التي اختلت فيه موازين القوى لصالح جيوب مناهضة الإصلاح الديمقراطي لما وجدت المحيط الدولي والإقليمي الداعم. اليوم، تغيرت موازين القوى، وتغيرت اللعبة الدولية كاملة، وتغير عنوان برنامج مكافحة الإرهاب، أو تغيرت الصيغة البوشية، بحيث صار بالإمكان اليوم فتح النقاش العمومي حول هذا القانون ومدى تضييقه للحريات وعرقاته للتحول الديمقراطي في المغرب. بالأمس القريب، أي لحظة مناقشة هذا القانون، كانت القوى الديمقراطية الحية في المغرب تقول بأن هذا القانون لا يتمتع بالحد الأدنى الذي يتيح إمكانية نقاشه أو تعديله، وكانت تطالب بسحبه لولا الضغوط الشديدة التي مارستها جيوب مقاومة التحول الديمقراطي في المغرب، فتم لها أن فرضته فرضا وضغطت على الأحزاب السياسية من أجل تمريره. يبدو أن فتح النقاش العمومي حول ضرورة إلغاء هذا القانون لن يجد أفضل من هذا الوقت، ولن يجد أفضل من هذه الصحوة الديمقراطية، ولن يجد أفضل من هذا المحيط الإقليمي الداعم. نقطة بداية حركة النضال الديمقراطي دائما تكون بهزم جيوب مناهضة التحول الديمقراطي، ودك كل المكتسبات التي حققتها لحظة اختلال موازين القوى لصالحها، وإرجاع المغرب إلى نقطة تحوله الديمقراطي الأولى، أي لحظة انطلاق العهد الجديد، ثم البناء على التجربة استثمارا للحظة الصحوة الديمقراطية وللحظة لقاء الإرادة الملكية بالإرادة الشعبية. إن الديمقراطية المغربية ستكون عرجاء لو توفر لها دستور ديمقراطي يتعايش مع قانون وضع أصلا للتضييق على الحريات وخنق الحقوق لاسيما حق التعبير الذي يعتبر العمود الفقري في كل ديمقراطية ناشئة. بكلمة، إن النضال من أجل أ، يتمتع المغرب بدستور ديمقراطي، ومن أجل محاربة رموز الفساد والاستبداد، ومن أجل أن تفصل الثروة عن السلطة، إن هذا النضال ذي العناوين الكبرى التي يرتبط بعضها ببعض في مشروع تغيير ديمقراطي متكامل، للأسف لن يكتمل إلا بإلغاء قانون مكافحة الإرهاب، لأن بإمكان هذا القانون وحده أن يفرغ كل مبادرات الإصلاح من محتواها ويجعلها من غير فائدة لاسيما إذا تغيرت موازين القوى واستعادت جيوب مقاومة التحول الديمقراطي المبادرة للإجهاز على ما تحقق، والعودة بالمغرب القهقهرى إلى تجربة النكوص الديمقراطي حيث يعقد الفساد والاستبداد زواجه الكاثوليكي ويحكم بذلك على مستقبل المغرب بمخالفة موعده التاريخي في الانتقال الحقيقي نحو الديمقراطية
المصدر: التجديد نشر في التجديد

