استبشر عدد من المحللين و المراقبين للشأن العربي-على ضوء الانتفاضات الشعبية التي ما زالت تعيش أحداثها العديد من البلدان العربية ، و التي أسفرت حتى الآن عن سقوط نظامين ديكتاتوريين هما نظام بن علي بالجمهورية التونسية ، ونظام حسني مبارك بالجمهورية المصرية – ببداية نهاية عهد القهر و التسلط و ببزوغ فجر الحرية و الكرامة ، و استعادة الشعوب لسيادتها التي صودرت منها قبل و بعد الاستقلال من قبضة الاستعمار الغربي من القرن المنصرم.
و مرة أخرى ينتصر التاريخ للدراسات التي قام بها المفكر و عالم المستقبليات المغربي الأستاذ المهدي المنجرة ويثبت صحة تنبؤاته ،ففي كتابه ”الاهانة في عهد الميغاامبريالية” أكد على أن الاهانة لا يمكن أن يقبلها شعب لفترة طويلة ، و الدفاع عن الكرامة لا يمكن إلا أن يثير ردود فعل قد تكون عنيفة في طبيعتها ، و ستندلع انتفاضات في كل الوطن العربي و الإسلامي مخلفة ثمنا اجتماعيا و سياسيا كبيرا و اقترح لتفادي أزمة الانتفاضة بمفهومها الزلزالي اعتماد رؤية مستقبلية و تبني ثقافة المشروع وفق مخطط استراتجي متوسط و بعيد المدى ، فحسب المهدي المنجرة من دون الرؤية لا يمكن آن تبنى استراتجيا و من دون استراتجيا لا يمكن تحقيق سياسة ومن دون هذه الأخيرة لا يمكن تحقيق التقدم في أي مجال من مجالات الحياة ، وواقع الحال أتبث أن الحكام و القائمين على شؤون الشعوب العربية تنكروا لهذا الطرح كما تنكروا لغيره من المشاريع الإصلاحية ، وفضلوا سياسة الديون وما ترتب عنها من برامج التقويم الهيكلي والتي أفسحت المجال لتدخل القوى الأجنبية في الشأن الداخلي ،فتعمقت نتيجة ذالك الهوة بين الشعوب العربية و حكامها و تكرست مظاهر التخلف في الأمية و تدهور الأوضاع الاجتماعية و هجرة الأدمغة و انتهاك الحريات ، و نزاعات حدودية و أزمات دبلوماسية بين جل الأقطار العربية . ووصف محمد أبو القاسم حالة الانقسام هاته في كتابه ” الأمة العربية و الألفية الثالثة” بنضمه لأبيات : أسرح طرفي من أيران حتى مراكش لا أرى الا خلافا أبحث عن أصول الداء ألقى تعلاث و أسبابا عجافا و نعلم كلنا أن الأعادي تقوى كلما صرنا ضعافا. هشاشة الأوضاع الاجتماعية و تردي جودة الخدمات و ضعف دخل المواطن العادي لا تتلاءم وحجم الإمكانيات و الثروات الطبيعية و الطاقية التي تزخر بها المنطقة العربية ،فقد أشار التقرير الاقتصادي العربي الموحد لسنة 2007 أن الدول العربية تستحوذ على القسم الأكبر من احتياطي النفط العالمي بحوالي 59% كما تستأثر بنحو 29.4% من إجمالي احتياطي الغاز في العالم ، إضافة إلى الفوسفاط و الثروات البرية و البحرية ، كما تمتلك أراضي زراعية شاسعة لا يستغل منها إلا جزء قليل يقدر بحوالي 71.5 مليون هكتار من أصل 197 مليون هكتار و تمثل فقط 36% من المساحة الصالحة للزراعة . كما أن انتهاك حقوق الإنسان و تفشي العنف أصبح لا يتلاءم و المكتسبات على مستوى المنظمات و الجمعيات الحقوقية الاقليمية منها والدولية ، و التي أصبحت تحضي تقاريرها الدورية و السنوية باهتمام كبير و أضحت نتائجها من المراجع المعتمدة في اتباث شرعية الحكم من عدمه ، بالإضافة إلى الطفرة التي تعرفها وسائل الإعلام و الاتصال التي صار بإمكانها عند تغطيتها لحدث عابر أن تعصف بالأنظمة و الحكومات )كما هو الشأن بالنسبة للمقطع المصور للشاب التونسي محمد البوعزيزي الذي أحرق نفسه و ألهم الشوارع العربية في الاحتجاج و التظاهر والمطالبة باسقا ط الأنظمة) ريح التغيير تهب في سماء العالم العربي و على أنظمة الحكم السياسة إن هي أرادت الاستمرار أن تقوم بنقد ذاتي و تتصالح مع شعوبها و تفي بمضمون الاتفاق التعاقدي الذي تبرمه معها عند كل حدث انتخابي ، و بالتالي وجب وضع مخططات محكمة وواقعية للقضاء على الأمية و تحسين جودة الخدمات و التقليص من سعة الهوة السوسيواقتصادية بين الفقراء و الأغنياء ، و اعتماد استراتجيا تنموية تعطي الأولوية للعنصر البشري و ترفع من مستواه المعيشي و تحسين جودة التعليم و تخصيص الميزانيات الكافية للبحث العلمي و ضمان حرية التعبير و الفصل بين السلط . من لا يتغير مجبر على معايشة من يتغير باستمرار حسب الأستاذ عبد الله العروي و على أنظمة الحكم السياسية أن تتبنى مبدأ التغيير من شعوبها ، وفي غياب إصلاحات حقيقية و جوهرية سيكون عليها الإبحار ضد التيار و مواجهة غضب الثوار ، وعندئذ قد يقذف بها إلى مزبلة التاريخ كما قذف بغيرها من الأنظمة التي تنكرت لمطالب و إرادة شعوبها . حسن البوهي
المصدر: دنيابريس نشر في دنيابريس

