ثلاث سنوات مرت .. و في كل يوم من أيامها يجد الإنسان نفسه غارقا في بحار الحزن و الأسى ، لا يدري كيف يسبح ضد تياراتها الجارفة ، و يخرج من صدماتها القاتلة ، كلما تذكر سجون المملكة التي تضم بين قضبانها شخصيات أفنت شبابها جهدا و كدا من أجل بناء مغرب حر داخليا قوي خارجيا ، بعدما اعتقدنا أن صفحة الاعتقال السياسي طويت إلى غير رجعة مع صدور أول بلاغ لتأسيس هيئة الإنصاف و المصالحة ، تلك الهيئة التي بذلت مجهودا أسطوريا ، حفرا و تنقيبا ، في ملفات سنوات الرصاص ، المسطرة حروفها بالدماء و المآسي و الآلام ، حتى أصدرت الهيئة توصياتها التي دفعت لتتحمل الدولة ، ممثلة في أعلى سلطة بالبلاد ، مسؤولياتها.. فتنفس الكثير منا الصعداء ، و اعتقدوا صادقين أن شمس الديمقراطية و الحرية تشرق من بلاد المغرب الأقصى . و هي حقيقة بدأت ، تنمو و تترعرع على أرض بلدنا الحبيب ، إلى أن جاءت ”النكسة” من حيث ما لم يكن في الحسبان : أحداث 16 ماي الإرهابية ، و ما رافقها من مقاربات أمنية حفلت بشتى الخروقات القانونية و الحقوقية ، و ما صاحبها من تصفية لحسابات حزبية ضيقة ، تنم عن بؤس في التفكير و فقر في التنافسية السياسية الشريفة ، التي تنأى عن المصالح الوطنية العليا بعيدا عن الصراعات الآنية و الضيقة. هكذا ظهر بيننا من يرى في أفظع التجارب الإقليمية نموذجا له ، و في مقدمتها النموذجين التونسي و المصري البائدين ، فبدأ يسطر و يبرمج لإعادة استنساخها في تربة مغربية نسي أنها تربة طيبة لا تقبل النباتات الخبيثة …
ورغم ذلك بينت الأيام أن الشعب المغربي يشكل سدا منيعا أمام كل الاختراقات الإرهابية لأن عقيدته في جوهرها متسامحة و منفتحة ، و مضادة لكل النزعات المتطرفة ، سواء اليمينية أو اليسارية . فلا غرابة إذن أن يخرج الناس بكل عفوية و تلقائية في كل المحطات التاريخية الحاسمة ، ليس أولها و لا آخرها، المسيرة المليونية لإدانة التفجيرات 16ماي الإرهابية . ولعل من أبرز المشاهد التي تحتفظ بها الذاكرة مشهد الدكتور محمد الأمين الركالة والأستاذ المصطفى المعتصم ، و هما يسيران جنبا إلى جنب ، رافعان لافتة تدين الإرهاب والإرهابيين و تدعو إلى الإعتدال و التسامح وتنبذ التطرف و الإقصاء .. الأمر الذي يجعل من اعتقالهما و إدانتهما بتهمة ”الإرهاب” فضيحة سياسية و حقوقية تأخر المغرب كثيرا في وضع حد لها. فهي فضيحة سياسية لأن الرجلين عرفا عند البعيد و القريب ، في المغرب و خارج المغرب ، بمواقفهما السياسية المعتدلة و المتسامحة ، لسنا في حاجة إلى التسميات و النعوت التي كانت المنابر الإعلامية تخصصها لاتجاههما السياسي ، فمن واصف لهم ب”الإسلاميين العلمانيين” ، أو ب”اليسار الإسلامي ” ف”الإسلام الحداثي” …. و غيرها من الأوصاف ، التي تدل على توجه فكري عند الرجلين يشير إلى أنهما فعلا إسلاميين ديمقراطيين و هي التسمية أو الصفة التي يحلو لأبناء ”البديل الحضاري” تمييز أنفسهم بها عن غيرهم من التيارات المنتمية للعائلة الحركية المقول عنها ”إسلامية”. لقد كان محمد الأمين الركالة مسكونا ، إلى حد الهوس ، بالكيفية السليمة و السلسة لتحقيق الانتقال الديمقراطي ببلادنا ، ليصبح شعار الدولة الديمقراطية الحديثة حقيقة مغربية مجسدة على مستوى الفعل و الواقع ، بدل أن يظل شعارا ترفعه هذه الجهة أو تلك ، بمناسبة أو بدون مناسبة ، عن إيمان و قناعة أو للاستغلال و المزايدة. و قد اهتدى إلى خطين متوازيين ينبغي اتباعهما ، لتحقيق الغاية و الغرض . خط ثقافي و فكري يستهدف التأصيل الفلسفي للفكرة الديمقراطية ، بعدما يئس من كل التكييفات الفقهية للديمقراطية على صعيد الثقافة الإسلامية ، و التي غلبت الجانب الأداتي للديمقراطية من جهة و تعاملت معها تعاملا نفعيا براغماتيا ، مما جعلها مجرد تكتيك مرحلي بدل أن تكون قناعة استراتيجية عند الكثيرين من أبناء الصف”الإسلامي” . لقد كانت قناعة الأمين الركالة راسخة بأن الفلسفة وحدها ، من حيث هي محبة للحكمة و الفضيلة ، هي القادرة وحدها بناء قناعات إسلامية راسخة بالفكرة الديمقراطية ، و لعل من الألطاف الإلهية التي ساهمت في تقوية هذه القناعة ، إن لم نقل ترجيح كفتها بشكل نهائي، أن ظهرت في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخنا الطبعة العربية لكتاب ”الضروري في السياسية” لأبي الوليد ابن رشد ، فيلسوف الفردوس الإسلامي المفقود . ذلك أن كل من يريد أن يفكر في الديمقراطية ”كونيا” لا بد له من العودة إلى أفلاطون و كتابه الخالد” الجمهورية ” ، الذي يقرأ فيه الناس أوضاعهم السياسية ، في كل زمان و مكان .. أما بالنسبة لمن يريد التفكير فلسفيا في الديمقراطية على صعيد عالمنا العربي ، فلا سبيل أمامه غير قراءة أبي الوليد لجمهورية أفلاطون كما سطرها في كتابه المشار إليه أعلاه. هذا فيما يتعلق بالشق النظري ، أما على المستوى العملي فقد كان محمد الأمين يعتقد أن الوقت قد حان لإعادة ترتيب الأداة الحزبية بأسلوب يجعلها هي نفسها ورشا للإصلاح الديمقراطي ، عوض أن تكتفي بالمطالبة به على مستوى مؤسسات الدولة ، فالديمقراطية لا تبنيها و لا تحافظ عليها إلا هيئات ديمقراطية قولا و فعلا ، و في طليعتها الأحزاب السياسية. فقد كان الرجل مختلفا تمام الاختلاف مع ”التحليلات” القائلة بأن الأحزاب المغربية التقليدية قد استنفذت أغراضها واستهلكت نفسها فوجب نبذها و استبدالها بأحزاب ”جديدة ” ، و لكنه في نفس الوقت كان يرى بضرورة دمقرطة هذه الأحزاب داخليا بشكل يجدد هياكلها بشكل دائم و مستمر و يقطع مع زمن القيادات الكاريزمية الخالدة . و بالرغم أن حزب ”البديل الحضاري” لم يظهر على الساحة الحزبية ببلادنا إلا مع بداية الألفية الثالثة ، فإن الدكتور الأمين قد قام قبيل اعتقاله الظالم بأيام ، بنقد ذاتي لخطه التنظيمي الداخلي ، داعيا إلى جعله نموذجا للحزب الديمقراطي الحداثي ، الذي يكون أبعد ما يكون عن نموذج الحزب/بيت الطاعة الذي لا صوت يعلو فيه على صوت القائد الأوحد الوحيد.و إذا كانت بعض المنابر و الجهات قد أشارت حينها إلى احتمال نشوب خلاف بين الأخوين الأمين و المعتصم ، فإننا للحقيقة و التاريخ ، و إيمانا بشفافية العمل الحزبي ، نؤكد هذا الاحتمال و لكن في صورته الحقيقية باعتباره ”خلاف عشاق” لحقيقة واحدة : مغرب حر داخليا قوي خارجيا . فالخلاف لم يكن بين من يريد دمقرطة هياكل الحزب و من يرفض هذه الدمقرطة ، و إنما كان حول ترتيب الأولويات ، فبينما كان الأمين يرى ضرورة إعطاء الأولوية ل”الذات” كان المعتصم يرى بأولوية”الموضوع” على الذات التنظيمية. و قد حسم المجلس الوطني المنعقد بالمحمدية، والذي أنهى أشغاله يوما واحدا قبل الاعتقال، بشكل ديمقراطي في هذا الاختلاف الذي لم يفسد للود بين الرجلين قضية. هذا بالنسبة للسيد محمد الأمين الركالة ، أما فيما يخص السيد المصطفى المعتصم ، فلا يحتاج المتتبع لمسيرته السياسية ، إلى حديث كثير ، نظرا لحضوره الكبير و الدائم على الساحة الإعلامية و السياسية ببلادنا ، لذلك تكفي المتتبع للعدد الهائل من الحوارات التي أجرتها منابر مختلفة مع الرجل ، و المقالات التي نشرتها له صحف و مجلات متنوعة ، و المداخلات التي شارك بها في ندوات متعددة، أن يقف عند النهج السياسي الديمقراطي عند الرجل ، بل يمكنه القول ، و بدون مبالغة ، أن المصطفى المعتصم ، يعتبر بمساهماته تلك ، من أبرز المتلقين للمفهوم الجديد للسلطة الذي أعلن عنه الملك محمد السادس . هذا المفهوم الجديد لتدبير الشأن السياسي ببلادنا نجد المعتصم يحتفي به في أكثر من مقالة و محاورة و مداخلة ، لعل أبرزها مقاله ” نحو ملكية مواطنة” الذي يعلن فيه بكل صراحة و وضوح تشبته بالملكية الدستورية ، باعتبارها الضامنة لوحدة البلاد و استقرارها ، و الحارسة لمسارها نحو الديمقراطية و الحداثة من جهة و استكمال الوحدة الترابية من جهة ثانية. و قد جاب المصطفى المعتصم المغرب شمالا و جنوبا ، شرقا و غربا ، لإقناع الشباب بالمشاركة السياسية، و الثقة في مؤسسات البلاد، و التصديق أن عهدا جديدا قد بدأ فعلا ، و أن مفهوما جديدا للسلطة يحتاج الدعم و التقوية من جماهير الأمة المغربية .. إلى أن وقعت الفاجعة ، اعتقال الرجل و رفيق دربه ، و اتهامهما بتهمة ، كل شيء في سلوكهما ، يدل على أنهما بعيدان عنها بعد السماء عن الأرض. مما جعل اعتقالهما فضيحة سياسية مدوية ، لكنه أيضا مثل فضيحة حقوقية حان الوقت لوقفها. لقد حدث إجماع غير مسبوق و لا مألوف ، من طرف المنظمات الحقوقية ، الوطنية و الأجنبية، العربية و الغربية ، حول الانتهاكات القانونية الصارخة ، التي حالت دون أن تكون محاكمة الرجلين عادلة ، و من دون إعادة كتابة ما جاء في بيانات تلك الهيئات الحقوقية المختلفة من عبارات الاستغراب و الاستنكار و الإدانة للمحاكمة المذكورة نكتفي بالدعوة إلى العودة فقط إلى بيانات جميع المنظمات الحقوقية المغربية ، ابتداء بالجمعية المغربية لحقوق الإنسان ، مرورا بالمنظمة المغربية لحقوق الإنسان و العصبة المغربية لحقوق الإنسان ، و صولا و ليس انتهاء بمندى الكرامة فمركز دراسات حقوق الإنسان . . لقد أجمعت كلها على كلمة واحدة : و هي ضرورة إطلاق سراح الرجلين و من معهما من المعتقلين السياسيين . أليس هذا و ذلك كافيا للقول أن استمرار اعتقال المصطفى و الأمين ، و من معهما ، فضيحة سياسية و حقوقية ، المغرب في غنى عنها ، و قد آن الأوان لوضع حد لها لتكون واحدة من خطوات سابقة و خطوات لاحقة على درب ترسيخ قيم الإنصاف و المصالحة التي كان بلدنا سباقا لها في محيطه الإقليمي و العربي و الإسلامي ، و ليكون جديرا فعلا بفضائه المتوسطي الذي نريده فضاء لثقافة العقل و التسامح و الاختلاف بين مختلف الأعراق و الأجناس و العقائد و الأديان.
المصدر: التجديد نشر في التجديد

