يحتفل العالم اليوم باليوم العالمي للمسرح. و بعيدا عن طقوسية الاحتفال الباردة كما يحدث في بلدان لا تولي اهتماما كبيرا للفنون الجميلة، كالمغرب، نريد أن نلفت الانتباه إلى الحاجة الملحة للمسرح كضرورة اجتماعية، لأن هذا الفن سعى على الدوام إلى النهوض بوظائف من صميم الاحتياج الإنساني، لهذا يتم تقدير طاقاته و إمكانياته من طرف كل الكبار : فغروتوفسكي اعتبره إمكانية للإنعتاق ، و بيتر بروك، يشبهه بالموسيقى، حيث يجعل الناس قادرين على تحمل عبء الحياة، و أنها جديرة بأن تعاش . إن المسرح كأب للفنون، لا يمكنه أن يشكل معناه الأصيل إلا حين يكف عن خدمة مصالح ضيقة، بل يبدع لصالح الإنسان الجديد، أي أن يقوم ضدا على أغلال الثقافة الفعلية و ضدا على تخريب معناها الأصيل. و هذا ما يسميه بريخت ” خدمة الأهداف الكبرى”. إن المسرح الذي يحتاج إليه الناس اليوم، هو ذلك الفن القادر على توليد أفكار و أحاسيس تعتبر ضرورية لتغيير الظروف التاريخية نفسها. و تغيير التاريخ يتأسس بالضرورة على إيضاح الحقائق و كشفها. إنها إحدى الوظائف الجليلة للمسرح الحقيقي، بعيدا عن كل تلك الأعمال الثقافية ” الرسمية ” التي تشتم منها رائحة الجيفة كما يعبر عن ذلك بيترفايس.
إن المسرح لا يمكن أن يعرف نفسه لدى الآخرين إلا من خلال وظيفة داخل المجتمع، إذ عليه أن يعكس ما يحس به الفرد العادي من انسحاق أمام عجلات الأنظمة السياسية الرافضة للتغيير، و بالتالي تزويده بكل ما من شأنه أن يحثه على تغيير قدره الراهن، بعيدا عن التضليل و التجاهل الذين يتم تسويقهما، وجوديا، داخل الكثير من المجتمعات و منها المغرب. عندما تم هدم المسرح البلدي بالدار البيضاء ، تم قتل العديد من التجارب الرائدة، و تمت محاصرتها بالتهميش،وتم إغداق الدعم على الداعمين لتصورات المؤسسة الرسمية، و المرسبين لطحالب القبح في أعماق الجمهور المغربي، و على المدعمين أيضا للرداءة الإبداعية إلى حد تعطيل الذوق الفني، و تجدير عطب الوعي الزائف. إن المطلوب اليوم – ونحن نحتفل باليوم العالمي للمسرح – هو ضرورة استحضار المسرح كحاجة اجتماعية، تناصر المغلوبين، و تحارب التضليل و الإتجاهات الملهاوية التي يعافها هذا الفن النبيل. المسلك سعيد
المصدر: المسلك سعيد نشر في أزيلال أون لاين

